لو قلت إن الأولوية هي علاج مشكلة الانفلات الأمني وفُجْر البلطجة لصدقت.
ولو قلت إن الأولوية هي تحقيق العدالة الاجتماعية بدءًا برفع الحد الأدنى للأجور وخفض الحد الأعلى، ونهايةً بتوفير خدمة الصرف الصحي والمياه النظيفة والإنارة والمسكن الآدمي للمواطن لأصبت.
ولو قلت إن الأولوية هي الإطاحة بقيادات الجامعة وعمداء الكليات واستبدالهم عن طريق الانتخاب لكان هو الرأي.
ولو قلت إن الأولوية هي توفير الخدمة العلاجية بكل عناصرها للمواطن لما تعديت.
ولو قلت إن مشكلة البطالة والفراغ لدى الشباب هي الأولى لما تجاوزت.
ولو قلت إن الأولوية لمشكلة العنوسة والطلاق والتفكك الأسري والتخلص من قوانين الست سوزان لما ذكرت إلا جزءًا من الحقيقة.
ولو قلت إن التعليم بلا تعليم والمرور متعثر والاستثمار يتراجع والمصالح الحكومية تكايا والإعلام بلا أخلاق ينم ويغتاب ويقذف، ولا همَّ له إلا البحث عن الجنازات ليشبعنا لطمًا وعويلاً لما اتهمك أحد بالمبالغة.
ولو قلت إن حكومة شرف قد غرقت بالكامل بعد أن تقاذفتها أمواج الواقع العاتية فلم تعد تعرف لها رأسًا من قدم لما ظلمتها.
ولو قلت: إن المجلس العسكري يحاول التوفيق بين مسئوليته العسكرية ومهمته الأساسية في حماية الحدود وما فرض عليه من أعمال الشرطة، وبين تعقيدات الحكم المدني إحباطات فرقاء اللعب السياسي المحلي، ومؤامرات القوى الخارجية ومكائدها؛ لتوريطه في مستنقع السياسة لكان ذلك وصفًا غير كامل، ولكان تفسيرًا غير مقنع لكل ما يجري.
والحل؟!
لقد قامت الثورة بلا قيادة واضحة انتفض فيها شعب مصر كله، وفجرها شبابه من كل طيف.. هذا ما قدمه الإعلام واستقر في الأذهان رغم ما في ذلك من غبن لكل ما قدمه أصحاب المشروع الإسلامي من تضحيات هيأت المناخ لهذه الثورة العظيمة، ومشاركتهم الفعالة في حمايتها وإنجاحها.. المشهد الملتبس الذي أعقب قيامها هو تشرذم الشباب إلى تآلفات شتى ومحاولات لاستقطابهم من اتجاهات سياسية لا جذورَ لها في أرض الكنانة، ظنت أن الفرصة سانحة لركوب موجات الثورة وتصدر قيادتها، وفي سبيل ذلك تميز أداؤها بالمزايدة واستخدام الإعلام في إثارة البلبلة والتطرف في المطالبات المعجّزة بما لا يتناسب مع المرحلة، وبعيدًا عن تقدير المسئولية في تعمد لإدخال الجميع في متاهات لا آخر لها، وهو ما قد يدفع البلد إلى فوضى مدمرة بدأت مشاهدها تتوالى في جنون.
والحل الذي له الأولوية القصوى على كل ما ذكرته، وما لم أذكره من مشاكل هو الاحتكام إلى صندوق الانتخاب؛ ليعرف كل مَن يدعي أنه يمثل الشعب حجمه الحقيقي في الشارع، ولتختار الجماهير قيادتها التي يحظى برنامجها بالرضا، وتتوسم فيها قدرتها على حل مشاكلها.
إذا كانت الثورة قد بدأت بلا قيادة فقد آن الأوان لكي تختار قيادتها الحقيقية.. هذا وقت الرؤية الصائبة ولا مجال للتردد ولا التسويف.
وهي فرصة هائلة على المجلس العسكري- نصيحة صادقة- ألا يدعها تفلت من يده؛ لكي يسلم الأمانة لمن صونها، ويعود إلى حصونه وثكناته تاركًا رصيدًا من التقدير له لدى أهل مصر، ويكفيه فخرًا كل ما قدمه هؤلاء القادة لشعبهم ووطنهم في لحظة فارقة من تاريخه..
الآن وليس بعد.