قد يعجب القارئ من العنوان لأول وهلة، فكيف تكون الثلوج دافئة؟ لكنه حين يتدبر الأمر يجد أن معظم الناس يعيشون في ظل تلك العلاقة العجيبة بين الثلج وبرودته وبين الدفء وحلاوته.
فالعلاقة بين المؤمن وربه هي علاقة دافئة حين تتحلى بالعمل الصالح المتجدد دائمًا بروح الإيمان الصادق والعلم النافع، والفهم الواضح، والإخلاص الجميل.
والعلاقة بين الناس هي علاقة دافئة حين تتحلى بأخلاق الدين وتقوى الله، فيكون فيها احترام الكبير والعطف على الصغير وحمل المحتاج ومساعدته، والسعي على الأرامل والأيتام والمساكين، ونصرة المظلوم والأخذ على يد الظالم، والنصح لله والحب في الله، والتزاور في الله، والإصلاح في الدنيا وتعميرها بذكر الله، والتمكين لكلمته وإعلاء راية شرعته، والتعاون على كل ما هو صالح، وكف أذى النفس عنهم.
والعلاقة بين المسلم وذوي رحمه هي علاقة دافئة حين تتحلى بالوصل في الله والعطاء لله والتكافل فيه، حبهم لا يطغى على حب الله ورضاهم بعد رضاه.. (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين) (التوبة).
والعلاقة بين الإنسان وبين نفسه هي علاقة دافئة إذا اتسمت بأن يعيش الإنسان غير متناقض مع نفسه فهو وروحه وقلبه ونفسه وجسده في اتجاه واحد هو السعي إلى رضوان الله عز وجل منسجمًا مع نفسه بأن ينسجم مع منظومة الكون المسبح الموحد من حوله (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) (الأنعام).
وكذلك العلاقة بين الأزواج هي علاقة دافئة مبنية على الحب والود والسكن والقرب والستر فليس أقرب إلى الزوج من زوجه فهي ستره وسره وعفافه، وهو المسئول عنها أمام الله عز وجل بالإنفاق عليها وحمايتها وتعليمها أمور دينها ووقايتها من النار (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (التحريم)، وليس أقرب إلى الزوجة من زوجها فهو جنتها أو نارها، برضاه تنال رضا الله، وبحبها له تُؤجر، وبطاعته في معروفٍ تتقرب إلى ربها، ثم هي إذا كانت بين يديه تسعده وتعفه فهي في أعلى درجات الطاعة، إذا نظر إليها سرته وإذا غاب عنها حفظته، همها همه وسعادتها في رضاه عنها وقربه منها.... فأين هو الثلج إذن في كل هذا الدفء الرائع؟
إنما أقصد بالثلوج هنا جمود إحدى هذه العلاقات وتوقفها عند حد معين بلا تجديد لمعين الدفء الذي يزودها بالطاقة المتجددة، والتي هي معرضة دائما للنفاد.
وأقصد بالدافئة أنه ما زال هناك في القلوب بقية من ذلك الدفء إذا كشفنا عنه الغطاء وما زال هناك استعداد وقبول للتغيير والإبقاء على أصل العلاقة والسعي الجاد للعودة بها إلى بر الأمان.
وسوف نتحدث بإذن الله عن تفاصيل تلك العلاقات كل على حدة، كيف تبدأ، وكيف نعرف أننا وقعنا فيها، ثم كيف نعالجها أولاً بأول؛ حتى لا يتطور الأمر بما يهدد حياتنا في الدنيا والآخرة.
وأحب أن أبدأ حديثي إلى الأزواج على اعتبار أن البيت عادةً هو اللبنة الأولى في إصلاح النفس وهو العش الذي تتربى فيه الأجيال، وهو الطاقة التي يستمد منها الزوج أو الزوجة معين الاستمرار في الحياة والانطلاق فيها سواء للبناء أو الهدم حسب توجه كل بيت، ثم إن تصنيفات الناس لا تخرج عن مكونات البيت فهو إما زوج أو زوجة أو أم أو أب أو أبناء وهؤلاء هم مكونات المجتمع، فإذا صلحت تلك المؤسسة البيتية صلح كل من بها وبذلك ينصلح المجتمع بكل فئاته.
والثلوج الدافئة في العلاقة الزوجية معناها أن هناك بقايا في قلب كل طرف من الأطراف بقايا من حب وود واحترام للطرف الآخر، فلو سألت زوجًا ممن وقع بيته في ذلك المنعطف والذي يكون عادة هاربًا من بيته ملتمسًا الدفء في مكان آخر عن زوجته، لو سألته عن تقديره لزوجته يقول لك: والله لا أعيب عليها في شيء ملموس وأنا أحبها وأقدرها ولا أفكر مجرد تفكير أن أتركها لكن هناك شيء كبير ينقصني، علاقتنا شابها شيء بمرور الوقت، وأصبحت من الرتابة بحيث لم أعد أطيقها، إنها في واد وأنا في وادٍ آخر، أعود من عملي لأجدها في المطبخ تأتي بالطعام بكل برود، لا أرى في وجهها أثر ابتسامة وإنما هموم وكلمات باردة وشكوى متواصلة، أحاول أن أحدثها عن عملي وما لقيته من مضايقات فيه فتحدثني عن مشاكلها مع والدتي أو مع جارتها أو مع الأولاد فأسكت وأستمع مضطرًًّا إلى الأسطوانة اليومية التي لا تنتهي، وإذا طلبتها تعللت بالتعب اليومي وضيق الوقت وضيق النفس، وإذا أردت مناقشتها في أمر من الأمور العامة وجدتها ليس عندها فكرة عما يدور من حولنا، فهي منشغلة بدائرة ضيقة من المشكلات لا تريد الخروج منها، كل يوم هو ككل يوم ليس هناك جديد، فأين كل ذلك من تلك الإنسانة الرقيقة التي تزوجتها، والتي لم تكن تألو جهدًا في إسعادي وإرضائي ومفاجأتي بالجديد كل يوم، حتى لقد ظننت أنني أعيش معها في الجنة، وطلبت منها كثيرًا وحذرتها من أن علاقتنا بدأت الدخول في الثلاجة وسوف نخسر كثيرًا أنا وهي على السواء، لكن عللها لا تتوقف فاضطررت أن أبحث عن السعادة والتغيير والتجدد في مكان آخر.
كذلك الزوجة حين تسأل عن زوجها وما الذي أدى بعلاقتهم الزوجية إلى الفتور والبرود فتقول: لم يعد كما هو، فأين كلامه الطيب وملاحظاته الدقيقة التي كان يراعيها عند أي تغيير في البيت إلى الأفضل؟ لم يعد يطلب مني الخروج كما كنا في السابق، لم يعد يرى مني إلا التقصير والتعب ويتهمني بالإهمال لأتفه الأسباب حتى اهتمامي وانشغالي بالأولاد يحسبه تعمدًا مني لإهمال شئونه، حتى كلمة الحب ما عاد يذكرها، حتى كلمة الشكر الذي ما كان يفتر لسانه بها ما عاد يقولها.
وإذا سألناها: وهل يمكن أن تفرطي فيه لهذه الأسباب أو تسمحي بإنهاء تلك العلاقة بينكما؟ فتجزع ويتغير لونها وتقول: لا أبدًا، لا يمكن أن أفرط فيه فهو زوجي الذي أحبه وأقدره وأحترمه ولولا ذلك الفتور منه وتغيره لكنت أسعد إنسانة في الدنيا.
وهكذا يكون الأمر فلا غنى لأحدهما عن الآخر في الحقيقة، لكن في نفس الوقت كل منهما متشبع بما يبعده عن الآخر، ويتوقف الأمر عند هذا الحد دون أن يبحث أحدهما أين الخلل، فربما كان عنده هو، ولا يحاول طرف أن يتنازل للآخر، ويبدأ حوار الإنقاذ فيكون الفتور والبرود والتجمد.
إننا حين نتطرق إلى تلك الموضوعات المهمة نلجأ عادةً إلى تشخيص الداء بوضع الأسباب التي تؤدي إلى المشكلة التي تبدأ غالبًا تدريجية فلا يشعر الزوجان بها إلا وقد تفاقمت ودخلت الثلاجة، ثم نبدأ بوضع الحلول، وحينها لا بد أن نبحث منذ البداية إذا أردنا أن نضع أيدينا على الداء الأصلي.
وهنا أردت أن أتناول الموضوع من وجهة أخرى وهو أن أضع المثال المتكامل فعلاً للبيت المسلم وذلك من المنبع الأصلي لنموذج يحتذى بتوجيه الله عز وجل (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) وهو بيت النبوة.
هذا هو الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم مع حبيبته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها التي كانت حبه الأول بإقراره عليه الصلاة والسلام حين سأله عمرو بن العاص في جمع من المسلمين: "من أحب الناس إليك يا رسول الله؟ فيجيب الحبيب المصطفى في حديث يردد على ألسنة المسلمين إلى قيام الساعة: "عائشة"، فيسأل عمرو بن العاص مرةً أخرى دون اعتراضٍ من المسلمين أو تعجب أو همسات أو لوم، يسأله مرةً أخرى: ليس عن النساء أسألك يا رسول الله وإنما عن الرجال؟ فيقول صلى الله عليه وسلم: "أبوها".
وتلك اللفتة الإنسانية الرائعة من الحبيب المصطفى حين يذكره هكذا "أبوها" فلا يقول "أبو بكر"، وهو صاحبه من قبل ولادة عائشة ولكن تكريمًا لزوجته الحبيبة فينسب أباها إليها، وكأن الأصل عند النبي هو عائشة زوجته والكل من حولها يُكرمُ.
وسؤالي هنا: مَن مِن الرجال يمكن أن يعلن أمام الملأ عن حبِّ زوجته حين يُسأل عنها؟ ومن منهم يمكن أن ينطق باسمها هكذا مجردًا وممزوجًا باعتراف بالحب أمام- ليس فقط جمع من الناس- وإنما على أمةٍ سوف تتقرب إلى الله بحفظ ذلك الكلام عنه صلى الله عليه وسلم؟
ثم كيف هي المرأة التي تجعل أعظم الأنبياء يجهر بحبها دون مواراة، بل وتكون حياتهما كتابًا مفتوحًا للعالم كله كي يتعلم كيف تكون الحياة وكيف يكون الرقي في التعامل بين الزوج والزوجة في الوقت الذي يشاركها في النبي- زوجها وحبيبها- زوجات أخريات؟ وليس هذا فقط وإنما هذا هو النبي المنوط به إصلاح العالم وتبليغ منهج سماوي رباني إلى أمة أمية ونقلها من سفح الجاهلية الطاغية إلى قمة العلم والتحضر، وإعدادهم لحمل تلك الرسالة وتبليغها، كذلك فلم يكن من الرجال من هو أكثر منه انشغالاً أو حملاً للهم، ولم يكن من الرجال من هو أكثر إخلاصًا في رسالته، ولم يكن من الرجال كذلك من هو الأعظم في الأمور الحياتية حتى إنه كان يشارك أهله في شئونهم المنزلية، بل ويقوم بخدمة نفسه في معظم الأحيان، حتى إذا احتج أحد بالظروف الحياتية القاسية ومتطلبات البيت التي لا تنتهي وبالعمل المرهق الذي لا يكاد يسد حاجة الزوجة والأولاد فقد ضرب لنا البيت النبوي أروع الأمثلة في تحمل مشاق الحياة وصعوبتها ولم يؤثر ذلك أبدًا في روعتها وجمالها والحب بين أطراف البيت جميعًا.. نعم لم تقف صعوبة العيش والتقشف حائلاً دون ممارسة حياتها رضي الله عنها مع الحبيب المصطفى بشكل طبيعي، فقد كانت تمر الأيام والأسابيع وهما يأكلان الأسودين: التمر والماء.. تلعب وتضحك، تغار وتحب.. بل تعشق زوجها النبي صلي الله عليه وسلم.
وهو صلى الله عليه وسلم لم يترك حجة لأحد كي يحتج بها في سوء معاملته مع الأهل ورضي الله عنها، فقد كانت النموذج الحي للمرأة التي تعلمت القرآن والحديث والطب ولغة العرب والشعر وعلم الأنساب، ولم تمنعها أي ظروف أن تحيا أسعد ما تكون المرأة، بل إنني أوقن أنه لم تسعد امرأة في الكون بزوج مثلما سعدت السيدة عائشة رضي الله عنها مع حبيبها وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم، وسوف نستعرض معا بعض المواقف التي يمكن أن نحللها ونتعلم منها بحيث نخرج بأسباب التجمد الذي يصيب الحياة الزوجية عامة وكيفية تخطي تلك الأسباب أو القضاء عليها أولاً بأول.
هكذا يكون الزوج وهكذا تكون الزوجة .........
حدثني....... حبيبي
عندما تروي عنه تقول حدثني حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم- من منا عندما تتحدث عن زوجها تقول حبيبي، بل إنه من العجيب أنك تسمع أحيانًا أن هناك بعض الزوجات اللاتي يخجلن من ذكر حبهن لأزواجهن إذا سُئلن عن ذلك، وليس هذا فقط بل ربما لا تذكر حتى لزوجها أو تُعبِّر له عن حبها له، فأين هؤلاء من أمنا العظيمة عائشة، ولنقرأ ولنتعلم.
فهي أحيانًا تغضب وتهجر كأي زوجة فيقول لها رسول الله صلي الله عليه وسلم: "إني لأعلم إذا كنت عني راضيةً وإذا كنت عليَّ غضبى.. فتقول ومن أين تعرف ذلك؟ فيقول المصطفى: "أما إذا كنت عني راضية، فإنك تقولين: لا ورب محمد. وإذا كنت غضبى، قلت: لا ورب إبراهيم"، فتقول الحبيبة: "أجل. والله يا رسول الله ما أهجر إلا اسمك".
هل عاش الزوجان مثل هذه اللحظات الغالية من الرقي والروعة، حبيبين حتى في وقت الغضب والهجر؟ وهل يعلم الزوج متى تكون راضية عنه ومتى تكون غضبى؟ أم أن الزوجة في كل الحالات غضبى وغير راضية بحياتهما؟.
فعن النعمان بن بشير قال: استأذن أبو بكر على النبي صلي الله عليه وسلم فإذا عائشة ترفع صوتها عليه، فقال: يا بنت فلانة ترفعين صوتك على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فحال النبي بينه وبينها. ثم خرج أبو بكر، فجعل النبي يترضاها، وقال: "ألم تريني حلت بين الرجل وبينك"، ثم استأذن أبو بكر مرةً أخرى، فسمع تضاحكهما، فقال: أشركاني في سلمكما كما أشركتماني في حربكما".
ذلك هو تدخل الأهل الذي يكون غالبًا في غير صالح العلاقة الزوجية، فحين يتدخل أي طرفٍ بين الحبيبين تكبر المشكلة، إذ تتدخل معها المشكلات النفسية والتي يرفض أي طرف بعدها التنازل للطرف الآخر، ظنًًّا منه أن ذلك ضعف أمام أهل الطرف الأول، اللهم إلا إذا كان الطرف المتدخل من الحكمة بمكان بحيث يستطيع أن يعالج دون أن تأخذه الحمية لقريبه فتأخذه العزة بالإثم؛ مما يكون عاملاً مهمًًّا من عوامل تفاقم المشكلات، وهنا في تلك الحياة النبوية الرائعة نجد الأب الواعي وهو الصديق أبو بكر الذي يأتي على ابنته مما يدفع الزوج لأن يدافع عن زوجته فتنتهي المشكلة دون أن نعرفها.
حياة طبيعية بسيطة سهلة سعادة وغضب جد ولعب حب وعتاب ولكن الفرق هو أن الغضب لا يطغى حتى يفقد الإنسان إنسانيته واللعب لا يكثر فيخرج المسلم عن أولوياته والعتاب لا يطول فيفقد الحب قيمته وروعته.
الغيرة علم وفن
السيف البتار في العلاقة الزوجية واللهيب الخفي الذي إذا خفت يصبح جالبًا للدفء الجميل في البيت وإذا زاد عن حده أشعل البيت نارًا يمكن أن تأتي على الأخضر واليابس، وكل النساء تغار.. ولكن لا بد من أن تكون هناك حدود لهذه الغيرة بحيث لا تصبح طوقًا يخنق الزوج وتجعله يفر منها فرارًا.. فكذلك كانت السيدة عائشة فقد كانت تحب النبي وتغار عليه، بل كانت أكثر زوجاته غيرةً رضي الله عنها. فعن عائشة- رضي الله عنها- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من عندها ليلاً قالت: فغرت عليه، فجاء فرأى ما أصنع، فقال: "ما لك يا عائشة. أغرت؟ فقلت: وما لي لا يغار مثلي على مثلك؟ فقال رسول الله: "أقد جاءك شيطان؟ فقلت: يا رسول الله، أو معي شيطان؟ قال نعم. قلت: ومع كل إنسان شيطان؟ قال: نعم. قلت: ومعك شيطان؟ قال نعم، ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم" (صحيح).
وغيرها الكثير من قصص الغيرة المتزنة عاشتها أمنًا رضي الله عنها مع حبيبها وحبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم.
وهنا تكون حكمة الزوج وتتجلى في أعلى صورها عند الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم فنجده يذكرها بالله، وبأنه لن يظلمها، فتصطبغ الحكمة ليس بالعنف وإنما بالحزم فترتدع الزوجة وتتذكر وتفهم، طالما أن الحياة كلها مرتبطة بالله وطالما أن الرصيد بينهما يسمح، فحياتهما بداية مبنية على الصدق والثقة.
ثم هناك أمر آخر هو ذكاؤها وفطنتها عندما يغضب منها النبي كيف تستطيع أن تنسيه هذا الغضب وأن تأخذ بقلبه وتفكيره وانتباهه إلى شيء آخر بعيدًا عن المشكلة التي تسببت في هذا الغضب، فيزول ما بينهما وكأنه لم يكن...
فعن عَائِشَةُ أنها قَالَتْ: لَمَّا كَانَتْ لَيْلَتِي الَّتِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا عِنْدِي , انْقَلَبَ , فَوَضَعَ رِدَاءَهُ , وَخَلَعَ نَعْلَيْهِ , فَوَضَعَهُمَا عِنْدَ رِجْلَيْهِ , وَبَسَطَ طَرَفَ إِزَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ , فَاضْطَجَعَ , فَلَمْ يَلْبَثْ إِلاَّ رَيْثَمَا ظَنَّ أَنِّي قَدْ رَقَدْتُ , فَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْدًا , وَانْتَعَلَ رُوَيْدًا , وَفَتَحَ الْبَابَ , فَخَرَجَ , ثُمَّ أَجَافَهُ رُوَيْدًا , فَجَعَلْتُ دِرْعِي فِي رَأْسِي , وَاخْتَمَرْتُ وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي , ثُمَّ انْطَلَقْتُ عَلَى أَثَرِهِ , حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ , فَقَامَ , فَأَطَالَ الْقِيَامَ , ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ , ثُمَّ انْحَرَفَ , فَأَسْرَعَ , فَأَسْرَعْتُ فَهَرْوَلَ فَهَرْوَلْتُ , فَأَحْضَرَ فَأَحْضَرْتُ , فَسَبَقْتُهُ , فَدَخَلْتُ , فَلَيْسَ إِلَّا أَنْ اضْطَجَعْتُ , فَدَخَلَ , فَقَالَ : "مَا لَكِ يَا عَائِشُ حَشْيَاءَ رَائِبَةً" قَالَتْ: قُلْتُ: لَا شَيْءَ يَا رَسُولَ اللَّهِ, قَالَ: "لَتُخْبِرِنَّنِي أَوْ لَيُخْبِرَنِّي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ", قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي, فَأَخْبَرَتْهُ, قَالَ: "فَأَنْتِ السَّوَادُ الَّذِي رَأَيْتُ أَمَامِي؟ "قُلْتُ: نَعَمْ فَلَهَزَنِي فِي ظَهْرِي لَهْزَةً فَأَوْجَعَتْنِي, وَقَالَ: "أَظَنَنْتِ أَنْ يَحِيفَ عَلَيْكِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟" قَالَتْ: مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ, قَالَ: "نَعَمْ, فَإِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَام أَتَانِي حِينَ رَأَيْتِ, فَنَادَانِي, فَأَخْفَاهُ مِنْكِ, فَأَجَبْتُهُ, فأخُفْيَتَهُ مِنْكِ, وَلَمْ يَكُنْ لِيَدْخُلَ عَلَيْكِ وَقَد وَضَعْتِ ثِيَابَكِ, وَظَنَنْتُ أَنَّكِ قَدْ رَقَدْتِ, فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَكِ, وَخَشِيتُ أَنْ تَسْتَوْحِشِي, فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ عزَّ وجلَّ يَأْمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَ أَهْلَ الْبَقِيعِ, فَتَسْتَغْفِرَ لَهُمْ", قَالَتْ: فَكَيْفَ أَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: "قُولِي السلامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ, وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ, وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَلاحِقُونَ".
فن امتصاص الصدمات
أو إن شئت أن تسميه أختي "فن إدارة الأزمات".. بالله عليك يا أختي الحبيبة المسلمة ويا أخي المسلم لو أديرت أزماتنا ومشكلاتنا بهذه اللباقة والبساطة والروح الطيبة أيمكن أن تنشأ أزمات تؤدي والعياذ بالله إلى خراب البيوت أو إلى صدع يصعب رأبه؟ لا أعتقد ذلك المهم أن الخيط في يديكما معًا.
لذا فقد استحقت أمنا عائشة وعن جدارة تلك المكانة عند رسول الله وفي قلبه صلى الله عليه وسلم وحق لها أن تفخر بمكانتها تلك.. وحق لها أن تفخر رضي الله عنها بحبها للحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم فتقول حين تروي عنه " حدثني حبيبي "
همسة في أذن الزوجة
عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قلت : يا رسول الله، من أحب الناس إليك؟ قال: " ولم؟ " قلت: لأحب ما تحب، قال "عائشة".
أتستطيعين يا أختي أن تتحدثي إلى زوجك بهذه اللهجة وهذا الدلال خاصةً إذا فترت العلاقة بينكما وطغت عليها المادية العمياء؟
وعن عائشة ـ رضي الله عنهاـ قالت دخل علي رسول الله صلي الله عليه وسلم وأنا أبكي فقال " ما يبكيك؟ " قلت: سبتني فاطمة، فدعا فاطمة فقال " يا فاطمة سببت عائشة؟ " قالت نعم يا رسول الله، فقال " أليس تحبين من أحب؟ " قالت: بلى . قال: "وتبغضين من أبغض؟" قالت بلي، قال: " فإني أحب عائشة فأحبيها " قالت فاطمة: لا أقول لعائشة شيئًا يؤذيها أبدًا".
لن أذكر أسباب الشقاق وأسباب تجمد العلاقات ولن أذكر حلولاً وإنما أضع تلك الحقيقة الرائعة نبراسًا أمامنا وليعرض كل منا حياته علي تلك الحياة ويقيسها عليها ويستنبط ويعرف ما الذي ينقصه وأين الخلل عنده، وأترك للقراء التعليقات التي يودون إضافتها كي يستفيد منها الآخرون والحياة مفتوحة للنقاش كي نصل بها إلى أسمى ما نريد بها كي تكون سبيل السعادة في الدنيا والآخرة.