ضجيج وصخب وأصوات عالية ومليونيات ومظاهرات فئوية وبرامج توك شو أغلبها يشعل الحرائق دون أن يطفئها.. هذه هي الحالة المصرية في الشهور الماضية، حتى أُصيب المواطن المصري بحالةٍ من الصداع المزمن الذي ما عاد يداويه مسكنات ولا مهدئات؛ لذلك اسمحوا لي يا سادة في هذا الجو المشحون أن أصرخ بأعلى صوتي لأقول لحضراتكم: فاصل ونواصل.. أصبح من حق كل مصري عليكم أن يأخذ فاصلاً؛ ليستعيد ضبط جهازه العصبي بل العاطفي، وأحسب أنكم تحتاجون معي لهذا الفاصل؛ لإعادة التقييم لضبط إبحار سفينة الوطن، وفي هذا الفاصل ائذنوا لي أن أطرح على حضراتكم ملاحظاتي وأمنياتي:
الملاحظة الأولى: في عهد النظام السابق على كل جرائمه إلا أنه أحسن إلينا من حيث لا يدري، وهو أنه جمعنا صدق الشاعر.. "إن المصائب تجمعن المصابينا".. ولكن ما إن أزحنا النظام إلا وكانت المصيبة أننا افترقنا إلى معسكرات وتجمعات وائتلافات وأحزاب، وليس عيبًا أن تتعدد الرؤى ولكن العيب أن يمزق النسيج الواحد، وألا نتفق على هدف واحد، وأن تصبح السمة المميزة للمرحلة هي الاشتباك والاستقطاب وفقدان الثقة.
الملاحظة الثانية: أن الثورة لم تنتهِ بعد، ولم تحقق كامل أهدافها، وترْك السلاح قبل حسم المعركة خسارة مسبقة، وأقصد بالسلاح هو هذا الذي رفعناه عند إسقاط النظام.. هتاف الثورة.. "كلنا مع بعض كلنا إيد واحدة"؛ لذلك فتمنياتي من حضراتكم أن تستمعوا إلى صوت مصر الحبيبة تستصرخكم: عودوا إلى وحدتكم.. ما زال يتربص بمصر المتربصون.. قد نحتاج إلى استدعاء روح الثورة والميدان إذا تعرضت الثورة للخطر، وهذا واقع بالفعل الآن، فكيف بنا نستدعي هذه الروح، وقد وأدناها في مهدها، ولم نفسح لها المجال؛ كي تنمو.
ولهذا إلى الإسلاميين والليبراليين والحزبيين؛ بل إلى كل المصريين: فاصل لنواصل ثورتنا بروح كل ميادين مصر بقبول الآخر وخياراته، واحترام الشعب المصري واختياراته.. مصر تحتاج إلى الجميع؛ لذلك فلا بد بعد الفاصل من أن نواصل ونحن نرددها ثانية: "كلنا مع بعض كلنا إيد واحدة".