نلاحظ تطور الموقف الرسمي المصري من الكيان الصهيوني بعد الثورة، إلى الأفضل، خصوصًا بعد الأحداث المؤسفة على الحدود لكنه لم يصل إلى الحد الأدنى المطلوب شعبيًّا، فلنراجع المواقف المصرية على مر المراحل السابقة، ولنقارن مع مواقف الدول الأخرى وصولاً إلى المصلحة الوطنية.
- الموقف المصري من الريادة إلى الاستجابة إلى الاستقالة إلى الوساطة إلى الانحياز، الريادة منذ 1948 لما بعد 1952م، ثم الاستجابة للتوجه الأمريكي والإسرائيلي أوائل أيام السادات بعد حرب 1973م، ثم التمادي في ذلك بالاستقالة من قضية فلسطين أواخر أيامه بتوقيع معاهدة كامب ديفيد، ثم الوساطة بين حماس والصهاينة أيام مبارك، ثم الانحياز التام للصهاينة في حصار غزة أواخر أيام مبارك.
- ولنقارن مع الموقف التركي، الذي لم يتخذ أي قرارات قوية في مواجهة الصهاينة بشأن حادثة أسطول الحرية إلا الآن، بعد عام ونصف قطع العلاقات التجارية والعسكرية وطرد السفير الصهيوني.. قرارات غير مسبوقة أذهلت العالم.. تركيا كانت قوية من عام ونصف، لكنها لم تفعل ذلك إلا الآن؛ لأن مواجهة الصهاينة تمثل أخطر الملفات على الإطلاق.. تركيا الآن أقوى بكثير.. الاقتصاد أقوى.. والحزب الحاكم اكتسح الانتخابات.. الأخيرة.. وتعبيرًا عن توجه الشعب نجح في السيطرة بالقانون على التطرف العلماني بالجيش التركي.. فأين مصر من ذلك الآن؟!!
- صحيح أن الموقف التركي محرج جدًّا للمجلس العسكري والحكومة في مصر لكن موازين القوى بين مصر والكيان الصهيوني لا بد أن تتغير لمصلحتنا تدريجيًّا مثل تركيا وليس دفعة واحدة.
- وصحيح أن الحرب مع الصهاينة قادمة لا محالة؛ لأن الكيان الصهيوني لا يمثل إلا مشروعًا توسعيًّا عنصريًّا والذي أصبح بعد الثورة في مواجهة الشعب المصري، وليس فقط في مواجهة الجيش والحكومة المصرية.
- لكن مصر الآن ثورة لم تكتمل.. نحن بلا برلمان ولا دستور ولا رئيس.. الأمر الذي لا يمنع من ضرورة وإمكانية اتخاذ موقف قوي وسريع، فمعاهدة كامب ديفيد مثلاً لا يمكن التعامل معها إما بالانصياع الكامل لها أو إلغائها والدخول في حرب فورًا مع العدو الصهيوني كما يروج إعلاميًّا لأسباب لا تستحق الذكر، فالكيان الصهيوني لا يريد ولا يستطيع محاربة مصر؛ خوفًا من الانهيار الداخلي أمام شعبها الذي بدأ يثور ويشير لنموذج ثورة مصر؛ لذلك نرى أن الكيان الصهيوني يحاول إنجاز معاهدات سلام مثل كامب ديفيد مع الدول الأخرى.
- المطلوب الآن التعديل الفوري لبعض بنود كامب ديفيد بحيث تستطيع مصر السيطرة على سيناء؛ لمنع تكرار التعديات الإسرائيلية على الحدود ولفرض السيادة الوطنية الكاملة على سيناء.. مصر تستطيع التفاوض والوصول لكل ذلك الآن، لكن مصر لا تستطيع الآن إنجاز المشروع الإستراتيجي الوطني الذي يضمن مواجهة المشروع التوسعي العنصري الإسرائيلي.. المشروع لا بد أن يشمل، مثلاً وليس حصرًا، تعمير سيناء وتنميتها بشكل حضاري كامل وجذاب لملايين السكان إلى هناك، ليس فقط لدعم اقتصاد مصر؛ بل أيضًا لمواجهة التوجهات التوسعية الإسرائيلية.
- هناك فرق كبير بين المواقف من ناحية وبين المشروعات الوطنية من ناحية أخرى.. المواقف الرسمية من إسرائيل اختلفت وتناقضت تمامًا على مر المراحل السابقة؛ لأنها كانت تعبر عن رغبة الحاكم وتوجهه، وليس الشعب؛ لأنه كان الحاكم الذي لم يختره الشعب.
- عندما ننجح في بناء النظام السياسي الحر الجديد: برلمان، ودستور، ورئيس، سيتم اختيار الحكام وتغييرهم تبعًا لإرادة الشعب، وستكون المواقف المتتالية من إسرائيل غير مسبوقة ومذهلة للعالم مثل تركيا، لكنها ستكون مؤثرة عالميًّا أكثر بكثير من تركيا وغيرها؛ لأنها مواقف متكاملة متوافقة تعمل على تحقيق نهضة وطنية عربية إسلامية؛ انطلاقًا من أكبر دولة مركزية بالمنطقة.
- فلنعمل بكل ما نستطيع، كلُّ في موقعه، على أن تكون الانتخابات البرلمانية حرة وفي موعدها دون تأجيل.
----------
* رئيس جمعية المقطم للثقافة والحوار- hassanelhaiwan@hotmail.com