في الوقت الذي تعاني فيه مصر من أزمة اقتصادية نتيجة عوامل عدة، منها ما هو خارجي مرتبط بظروف اقتصادية عالمية، ومنها ما هو داخلي بسبب أزمة 60 عامًا من النهب المنظم لموارد الدولة واستنزاف لها؛ نجد أن هناك ميزانيةً مخفيةً موازيةً لميزانية الدولة الرسمية، ولكنها تفوقها في الحجم ربما أربعة عشر ضعفًا أو يزيد، بناءً على تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات في العام المالي 2008م/ 2009م.

 

وتلك الميزانية- كما أكد الجهاز المركزي- تخضع لرقابته ولكنها لا تدخل إلى خزينة الدولة ولا ضمن الميزانية العامة ومن ثم لا تعرض على مجلس الشعب، وتلك الأموال إنما تحصل من أفراد الشعب في كل مصلحة حكومية مقابل أي خدمة يتلقونها، أمثال الدمغات والغرامات وغير ذلك فيما يسمي بالصناديق الخاصة، والتي قدرها الجهاز المركزي بحوالي عشرة آلاف صندوق، ومن أمثلتها التي أضعها أمام الحكومة الحالية كي تنتبه:

 

- تذكرة مواقف السيارات العامة (التابعة للحي والمحليات).

- تذكرة زيارة مريض في أي مستشفى حكومي.

- تعريفة سيارات السرفيس (الكارتة).

- المصاريف الإدارية والدمغات المدفوعة للحصول على بطاقة رقم قومي.

- المصاريف الإدارية والدمغات المدفوعة للحصول على رخصة قيادة.

- المصاريف الإدارية والدمغات المدفوعة للحصول على رخصة بناء.

- المصاريف الإدارية والدمغات المدفوعة للحصول على ترخيص سيارة.

- المصاريف الإدارية والدمغات المدفوعة للحصول على ترخيص محل تجاري أو ورشة أو مصنع.

- المصاريف الإدارية والدمغات المدفوعة للحصول على خدمات من نوع توصيل وتركيب عداد كهرباء، عداد مياه، عداد غاز طبيعي.

- رسوم النظافة التي تفرضها الوحدات المحلية على الشقق والبيوت في الريف والمدن.

 

وإذا أردنا أن نقدر حجم الكارثة المنظمة التي كانت تتم وما زالت دون أن يتلفت أحد إليها بالرغم من حاجة الدولة في هذه الظروف إلى كل جنيه ليدخل خزينتها فلنطلع على الموازنة العامة في العام المذكور 2008 / 2009 لنقرأ الآتي:

 

إجمالي الإنفاق في ذلك العام (وهو مبلغ يشمل الأجور وشراء السلع والخدمات وفوائد الدين العام والاستثمارات 375 مليار جنيه، وبلغت الإيرادات (تشمل الضرائب والجمارك وعائد الهيئات الاقتصادية مثل قناة السويس وهيئة البترول وغيرها) 285 مليار جنيه، أي أن نسبة العجز في الموازنة 90 مليار جنيه، بينما كانت مفاجأة الجهاز المركزي في أن حصيلة تلك الصناديق الخاصة 1272 مليار جنيه (تريليون و272 مليارًا)، وأن قيمة المخالفات فقط التي تم حصرها (في إنفاق حصيلة هذه الصناديق) عن نفس العام 3955 مليون جنيه (نحو 4 مليارات).

 

هذا ولمن يريد المزيد فليرجع إلى تقارير الجهاز المركزي في هذا الخصوص واستجوابات مجلس الشعب التي قدمها نواب الإخوان الشرفاء للحكومة، والتي لم تفلح إلا في فضح هؤلاء اللصوص لكنها لم توقفهم، وتلك صرخة إلى حكومة الدكتور شرف كي تنتبه لتلك الميزانية الخفية والتي تحتاجها بلادنا في هذا الظرف العصيب.