حقًّا ما أغلى نقطة الدم إذا ما أريقت من أجل قيمة غالية! وما أرخصها إذا أريقت من شقي يستحق الموت والقصاص!، ما أذكى الدم وأطهره إذا ما كان من أجل تحرير الوطن وحياة المواطن! وما أخسه وأحقره إذا كان لشهوة أو اعتداء على الوطن وحياة المواطن؟!.
وقيمة الأوطان والدم الذي سال عليها واختلط بترابها من أجل الحفاظ عليها هي ما يستحق فداءها بالأرواح ويعطيها قدسيتها وارتباط مواطنيها بها.
وتحرير الوطن لا ينفصل عن تحرير إرادة الإنسان الذي يجعله مواطنًا فاعلاً في البناء والتحرير معًا، وما قام به بطل إنزال العلم الصهيوني ورفع العلم المصري على سفارة الكيان الصهيوني إلا تأكيد للإرادة الشعبية المصرية الوليدة وقبول التضحيات بالروح والدم.. تمامًا مثل شهداء موقعة الجمل الأبرار وكل ميادين مصر المحروسة، ولا ينكر أحد الدماء والحريات المحبوسة التي قدمت طوال العهد البائد حتى كانت اللحظة الفارقة في ثورة 25 يناير.
ولهذه الدماء أسرار وقوة خفية، تحدثت عنها الكتب السماوية، فبالدم يقدم صاحبه الشهادة وبفقدانه ينتقل الإنسان من حال إلى حال ومن دنيا إلى آخرة، فما بالنا إذا ما سال الدم وفقدناه من أجل الوطن ونصرة الحق والعرض.
والحقيقة التي لم تكذب في التاريخ أنه ما من دم ذكي يراق إلا وكان بعده نصر مؤزر، يشفي غليل أصحاب الحق العادل، وهذا ما أكدته في مقال كتبته يوم 21 يناير، ومع قيام ثورة تونس الخضراء وقبل تنحي الرئيس المخلوع أنه طالما سالت دماء لا بد أن تحرر الأرض وقد تحققت في العصر الحديث في تونس ومصر وعلى الطريق تأتي ليبيا الأبية، ولا تذهب دماؤها الذكية سدى وكلنا بقلوب راجية ننتظر حقيقة ستكتب قريبًا في سوريا واليمن وكل الشعوب التي قدمت دماءها من أجل حريتها وحقوقها المشروعة.
إن دماء الشهداء ودعواتهم من ظالميهم ومن قتلهم أو حبسهم في الميادين والسجون وأقسام التعذيب ومباني جهاز أمن الدولة قد رسمت مستقبل مصر بالتخلص من النظام البائد وحبسه قصاصًا، كل ذلك كتبه الله علينا حتى تكتب الحياة لكل المصريين، فزوال الدنيا أهون على الله من قتل نفس بشرية بغير حق، ومن قتل مسلمًا متعمدًا أو حرض عليه كتب على جبينه آيس من رحمة الله تعالى يوم القيامة، وينتظره غضب ولعنة الله عليه، وفي الآخرة له نار جهنم خالدًا فيها جزاء ما اقترفت يداه، كما ترسم بداية عهد جديد من الحرية والعدالة الاجتماعية.
وإذا كان شهداء الميادين أحيوا ثورات وحرروا شعوبًا وأبادوا أنظمة مستبدة، فإن شهداء الحدود سيكتبوا بمداد العزة والكرامة والسيادة المصرية على أرض سيناء الحبيبة، وسيعلمون العالم كيف يحترم الإنسان المصري وترفع له الأيادي؛ تعظيمًا لنبل أخلاقه وجلده وقوة إرادته وقدرته على التضحية بأغلى ما يملك وهو دمه الذي يعطيه الحياة ولا يبالي، بل سيثبت شهداء الحدود الأبرار أن الدم المصري العربي أغلى من أي دم في العالم بما فيه الأوروبي والأمريكي، وأن أحط وأخس دم في العالم هو الدم الصهيوني، وهذا ما قرره الله تعالى في كتابه العزيز أنهم أبناء القردة والخنازير الذين يتساهلون في قتل العرب وسفك دماءهم على مدار التاريخ.
نعم إن دماء شهداء الحدود سترسم علاقات جديدة ومتميزة مع كل العالم، وليس الصهاينة فحسب، وسيعلم الكيان الصهيوني من هو المصري ولسنا بأي حال كتركيا التي لم ينفد صبرها بعد لأكثر من عام من أجل الحصول على اعتذار رسمي بحق الاعتداء على أسطول الحرية الذي كان في اتجاهه لغزة من أجل فك الحصار عن أهلها.
ما حدث من اعتداءات على جنودنا هي فرصة عظيمة لوضع علاقة محددة مع الكيان الصهيوني تفتح فيها كل الملفات العالقة، ومنها ملف الأسرى وكل شهدائنا على الحدود، وتأمين الحدود وإعادة النظر في بنود معاهدة السلام، وملف أم الرشراش المصرية، وتعمير سيناء ببناء مصانع وتشغيل الشباب بها، ولا يعقل أن ننفق المليارات التسعة على مشروع توشكى لصالح الغير!! ولا ننفق مليارًا واحدًا على أرض سيناء من أجل أمننا وأبنائنا، ولا ننسى أبدًا منحة تصدير الغاز بأبخس الأثمان إليهم مقابل تصدير الجواسيس والمخدرات إلينا، وإذا كان الاعتداء من باب الاختبار للمصريين فوجب على الفور تلقين درس قاسٍ للصهاينة يحول من وقوع أى اعتداء مستقبلاً على مصر وجنودها، وليعلموا أن زوالهم مرهون بنقطة دم مصرية.
ويجب أن تعيد حكومة الثورة المصرية النظر في الخطوات التي تم اتخاذها حتى الآن تجاه الاعتداءات الإسرائيلية والتي لا تتناسب مع مصر بعد الثورة، ويجب تطهير الرؤية المصرية من ضيق الأفق والضعف الذي عاشته الخارجية المصرية في عهد النظام المخلوع حتى ذكرت قياداتهم الصهيونية أن الرئيس المخلوع كنز إستراتيجي لهم في الوقت الذي ضاعت فيه كرامة المصري من أجل لقمة العيش.
فليعلم الكيان الجبان أننا من سيضع أنفه في التراب وسنذيقه ألوانًا من الذل والهوان، نحن من سنقضي على صلفه وعجرفته وكبريائه سنعلمه كيف يتعامل مع الجندي المصري ويعطي له تعظيم سلام، فهم قد حفروا قبورهم بأيديهم.
ما سبق يدعونا جميعًا إلى وقفة مع أنفسنا- نحن المصريين- فالدماء التي بذلت من أجلنا يجب أن تصنع الأمن والأمان بيننا، أما ما نسمعه ونشاهده يوميًّا من عراك ومشاحنات وتغول للبلطجة ومحاولة فرض شريعة الغاب بأسلوب "حقي بدراعي" هذا بجانب الاعتداءات والسرقات بالإكراه ، يفرض علينا النظر في أمرين الأول يتعلق بالجهاز الأمني المنوط به حفظ الأمن وتطبيق القانون وفرض سيطرته بعد مرور أكثر من سبعة أشهر، وأن مقعد وزير الداخلية وكذلك مقاعد مديري الأمن في المحافظات مرهون باستقرار الحالة الأمنية، والأمر الثاني يتعلق بالدور الشعبي في الحفاظ على أمننا والتكاتف من أجل تحقيقه، ومساعدة الجهات الأمنية، وكشف المستور، وتقديم الأدلة لمصادرة الأسلحة المنتشرة وملاحقة المتورطين أمنيًّا، وما أستغربه فعلاً إقصاء بعض المحافظين أو الحاكم العسكري للجان الشعبية المتطوعة في المشاركة الميدانية.
أخيرًا كل التحية والتقدير لما أنجزته الشعوب العربية الثائرة في تونس ومصر وليبيا التي استطاعت أن تصنع ثورات وتبذل دماء حررت أوطانها، ومع أن مشوار تحقيق الديمقراطية ما زال يحتاج إلى وقت، لكن ما يحدث في سوريا يحتاج لاتحاد عربي شعبي ثوري ضاغط في جميع المحافل يدعم السوريين في محنتهم ويوقف القتل والترويع ويحفظ السيادة، ويحقق المطالب المشروعة، وإن كان عيد الفطر عيدًا مختلفًا لأصحاب الثورات الناجحة فكلنا أمل ورجاء أن يكون عيد الأضحى القادم عيدًا مختلفًا في سوريا واليمن ولكل الشعوب التواقة إلى الحرية والعدالة.
----------------
*أمين حزب الحرية والعدالة بالبحيرة