في بداية ثورة 25 يناير المباركة كنت أقول إن الثورة سوف تنجح لو تمكَّن الشعب من إقصاء الطاغية حسني مبارك عن سدَّة الحكم، وبعد خلعه في 11 فبراير قلت إن نجاح الثورة مرهون بمحاسبة رموز النظام الفاسد ثم بعد تساقط الفاسدين وسجنهم قلت: لا أمل من الثورة إلا بمحاسبة رأس النظام، فوجود حاكم ظالم في قفص الاتهام هو العنوان الحقيقي لنجاح الثورة، ثم تبيَّن لي أن الثورة هي محصلة هدم لنظام قديم تمثَّل في بعض الصور التي ذكرتها، ولكن النجاح الحقيقي يأتي من البناء وليس الهدم فحسب، فذكرت في مقال سابق أن نجاح الثورة مرهون بالتغلب على معضلات ثلاث، وهي: الانهيار الاقتصادي الذي يؤذن بخراب البلاد، والانفلات الأمني الذي يهدد سلامة المجتمع، ثم فلول النظام البائد وضرورة اجتثاثهم من الساحة واستبدال أهل الخير والصلاح بهم.
والآن وقد بدأت فورة الثورة في الهدوء وأصبحت أتأمل الحالة المصرية وثورتها بإمعان وتريث وعقلانية؛ اكتشفت أن نجاح الثورة مرهون بشيء واحد فقط، لا علاقة له بنظام بائد ولا تربطه آصرة بنظام موعود، هذا الشيء هو: أنا نفسي.. البداية من عندي وحدي.
لقد سمعت الدكتور النابغة المعتز بالله عبد الفتاح، في برنامج تلفزيوني، وهو يطرح سؤال رجل الشارع: "ماذا فعلت لي الثورة؟!" فأجابه قائلاً: وماذا فعلت أنت للثورة؟!
لقد تذكرت حديث الرسول صلي الله عليه وسلم عندما جاءه رجل وسأله: متى قيام الساعة؟ فأجابه الرسول صلى الله عليه وسلم، قائلاً: وماذا أعددت لها؟! هذا هو السؤال الصحيح في الوقت المناسب.. ماذا فعلنا نحن للثورة..؟ الثورة هي حالتي أنا وأنت.. الآن فقط أستطيع أن أجيب السؤال: متى نجاح الثورة؟ فأقول: إن نجاح الثورة مرهون بقدرتنا على إعادة تأهيل الشخصية المصرية.. شخصية تعطي ولا تنتظر الأخذ، تبذر ولا تتشوَّف للثمرة، تعمل ولا تطمع في الأجر.. شخصية تتميز بالإيثار والتضحية وإنكار الذات والإيجابية.. وهي ليست ضربًا من الخيال أو المثالية؛ فقد برزت ملامح هذه الشخصية المأمولة في أيام التحرير الأولى طوال ثمانية عشر يومًا.
إن قانون السماء قد حسم مسألة التغيير بقوله تعالى: (إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)، وعندما ننجح في تغيير أنفسنا وإعادة تأهيل الشخصية المصرية التي تكالبوا لعقود على تشويهها وإفساد أجمل ما فيها؛ يومها سنقول: لقد نجحت الثورة.