من وحي شهر رمضان الكريم ومواكبة ليلية استشهاد الإمام علي كرم الله وجهه في الثامن عشر من رمضان، تطل علينا بوادر فتنة عصرية، وما أشبه اليوم بالبارحة، فقد اشتعلت الفتنة الكبرى حول قميص عثمان رضي الله عنه، القصاص قبل المبايعة أم المبايعة قبل القصاص وفي وجدان الجميع أن عليا كان على حق أن القصاص من قتلة عثمان لا يتأت إلا في مناخ الاستقرار، واليوم نخوض صراعًا فكريًّا سياسيًّا، ولكن بلغة العصر بين أنصار وثيقة الدستور قبل الانتخابات، أم الانتخابات قبل الدستور، وكلا الفريقين يصر على أنه على حق، ونقول للفريقين ألا تنتهوا أيها الناس، وتعالوا إلى كلمة سواء، وانظروا حولكم ماذا يجري على حدود الكنانة في شمال سيناء، وتدبروا مغزى انتشار تحكيم قوة السلاح بين الناس في الشارع المصري، فالشارع المصري يقترب من سيادة مبادئ رعاة البقر في الولايات المتحدة الأمريكية، قبل أن يسود فيها القانون بعد صراع دام أكثر من مائة عام، فهل يلهنا الصراع العقيم الجاري حاليًّا عن إرهاصات اقترابنا من فتنة عصرية، أم نعي دروس تجارب العالم؟!

 

فالثورة الفرنسية ظلت تلاطمها أمواج الصراع، بل وانتكست لتعود للملكية، حتى استقرت الجمهورية الفرنسية بعد ما يقرب من عقدين من اندلاع ثورتها، ولا يتسع المجال هنا لسرد تجربة الثورة الإسبانية، بل تذكروا أحداث عام 1954م، فقد سئم الشعب آن ذاك الصراعات الفكرية العقيمة، فطالب بحكم المجلس العسكري لثورة يوليو وألقوا بمسودة الدستور في سلة المهملات، ولا تلوموا إلا أنفسكم، عندما يطل علينا علاء مبارك على شاشة التلفزيون المصري، طليقًا واضعًا يده في جيبه، ويسد بالأخرى عدسة كاميرا التليفزيون المصري، ثم يرفع أخوه يده بعلامة النصر في قاعة المحكمة.

 

ومن وحي رمضان أيضًا وفي سياق مشاهد الفتنة الكبرى، أظن أن هناك فريقًا من أغلبية المثقفين يحاكي في حياده ما آل إليه رأي عدد من الصحابة، وهو ألا يزجوا بأنفسهم في أتون الصراع بين الفريقين- ظنًّا أن لدى كل فريق قدرًا من الحق- أقول للجميع: عليكم أن تسعوا جاهدين لأن يبلغ الفريقين الكلمة السواء بينهم، ولن يتأتى ذلك إلا بالمكاشفة والصراحة واضعين مستقبل مصر الكنانة أولاً.

 

يخشى الليبراليون والعلمانيون المصريون بصفة خاصة والعرب بصفة عامة من قيام دولة دينية، وهم يستقون هذا من التاريخ السياسي لأوروبا قبل عصر النهضة، فقد كانت الكلمة الأولى لكهنوت الكنيسة، وأطلق عليه علماء الاجتماع السياسي الدولة "الثيوقراطية التي قاومت بوادر النهضة العلمية وعذبت وقتلت العلماء، وهذا المصطلح اللاتيني لم تعرفه العربية لغةً أو تطبيقًا، فلم يحكم الدولة الإسلامية رجال دين مطلقًا، بل إن العلماء الأوائل بنوا مدارسهم العلمية في ظل الحضارة الإسلامية، وقد أطلقنا عليهم تجاوزًا علماء العرب، رغم أنه لم يكن ابن سينا وابن حيان وابن الهيثم والفارابي وغيرهم من أبناء الجزيرة العربية أو حتى الشام، أما النماذج المعاصرة  للنظم الإسلامية المتشددة وعلى رأسها طالبان في أفغانستان فقد صنعها صراع الشرق والغرب، فدعمت أمريكا مجاهدي أفغانستان بدافع طرد  الشيوعية الملحدة!! فلما نجحوا في ذلك انقلب عليهم الغرب وتخلت عنهم الأنظمة الحليفة إرضاء لأمريكا وترك الغرب والأنظمة العربية والإسلامية حكومة طالبان تواجه مشاكل التعليم والصحة والفقر دون موارد تذكر، وهو ما دفعهم للتشدد بل والتطرف، ونرجع في ذلك لكتابات وكتب الأستاذ فهمي هويدي، بينما على النقيض سعى الغرب ودعم انفصال جنوب السودان ويقدم له كل عون لنهضته! وعندما استنفد الغرب حاجته من نظام شاه إيران، دعم المعارضة الدينية بزعامة الإمام الخميني فقد آوته فرنسا وأغمض الغرب الطرف حتى نشأت جمهورية إيران الإسلامية ثم أزكوا الفتنة بين إيران والعراق بدعم من الأنظمة الموالية لأمريكا في ذاك الوقت حتى تستنفد موارد البلدين تمهيدا للتخلص لاحقا من النظامين ونجحوا في العراق، ومازالوا يعملون على تحقيق ذلك في إيران.

 

ولكن برؤية محايدة ومنصفة نظن أن الاستدلالات التاريخية غير كافية لطمأنة التيارات الليبرالية، وهنا يجب على التيارات الإسلامية أن يجلوا الحقيقة في شأن رؤيتهم الواضحة والصادقة والشفافة لخمسة قضايا تحسم الجدل وتطمئن الجميع هي:

(1) الثقافة والفن.

(2) النظام الاقتصادي.

(3) دور المرأة في المجتمع.

(4) التعامل مع الآخر من أبناء الوطن خاصة ممن لا يدين بالإسلام.

(5) مفهوم المرجعية الدينية.

 

وعلى الجانب الآخر، يجب على الليبراليين أيضًا أن يعلنوا التزامهم بمواقف خمسة:

(1) الحرية المسئولة.. أي التي لا تصطدم بمبادئ الإسلام باعتباره دين الغالبية العظمى من مواطني هذه الأمة.

 

(2) أن يلتزم الوطن بحفظ حقوق الإنسان لمواطنيه بما لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية، والتي تكاد تتوافق مع المسيحية في رفضها لقضايا أجازتها وثائق مؤتمرات حقوق الإنسان الأخيرة أو بعض النظم الغربية، مثل حق الإجهاض أو الزواج الشاذ أو الزواج المدني، أو تناول الأديان السماوية بالنقد أو الازدراء تحت مظلة حرية التعبير.

 

(3) احترام آليات ونتائج الممارسات الديموقراطية المتمثلة في صندوق الانتخابات الشفاف البعيد عن الغش أو التزوير واحترام ما يسفر عنه رأي الأغلبية.

 

(4) التخلي عن فكرة استنساخ تجارب الآخرين في جسد المجتمع المصري، ولكي تتضح الرؤية، نسوق أمثلة بسيطة من تجربة تونس وهى دولة تسمح قوانينها بزواج المسيحي بمسلمة زواجًا مدنيًّا، بل وهناك أمثلة صارخة للاعتداء على حقوق الإنسان في مجتمعات نعتبرها رموزًا للحرية والديمقراطية في دول غرب أوروبا وتحتل مكانة متقدمة في دليل التنمية البشرية الاجتماعي، مثل سويسرا التي هدمت مآذن لمساجد لديها، وفرنسا التي منعت المحجبات- وليس المنقبات- من مواطنيها والمقيمين في ربوعها من التعليم الرسمي بكل مراحله والعمل في المؤسسات الحكومية بكل أنواعها.

 

(5) مع إصرار جميع التيارات وفي مقدمتها التيار الإسلامي على ضمانات قيما نظام يحقق المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات وسيادة القانون وحقوق الإنسان، يمكن أن يتخلى الليبراليون عن اصطلاح ابتكروه وهو "الدولة المدنية"غير معروف في قاموس السياسة الدولية؛ لأنه اصطلاح لزج يجلب البلبلة في شرح مضمونه، فنقيضه اللغوي هو الدولة العسكرية، والتي أسقطها التاريخ في جل دول العالم، كما أن المقال دلَّل على غياب مفهوم الدولة الدينية في فقه السنة والجماعة، ولعله لم يبق نظام يجمع بين الدولة الدينية والعسكرية إلا الكيان الصهيوني؛ حيث للجنرالات في مؤسساته السياسية نصيب الأسد، ويصر على الاعتراف بـ"إسرائيل" كدولة يهودية نقية، وللأحزاب الدينية المتطرفة- شاس- نصيب في مقاعد البرلمان والحكومة، وفي هذا السياق يجب تجنب السعي لتحقيق مبدأ توزيع الحصص بين فئات وطوائف المجتمع على المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية بحجة التمييز الإيجابي، ويكفينا مثالاً ما آل إليه تناحر طوائف المجتمع في الشقيقة لبنان في ظل نظام الحصص السياسية.

---------

* الأستاذ بجامعة الزقازيق- ibsolimn@hotmail.com