تظل نقابة الصحفيين الأقوى والأعلى صوتًا رغم قلة عدد أعضائها (6 آلاف عضو) مقارنة بالنقابات الأخرى التي تجاوز بعضها رقم المليون، وبالتالي تصبح انتخاباتها هي الأهم بين كل النقابات، ذلك أنها نقابة الرأي الأول في مصر، والتي يتعدى الاهتمام بها حدود الوسط الصحفي إلى عموم المجتمع الذي يتعامل مع الصحافة والصحفيين يوميًّا عبر مئات الصحف والمجلات والدوريات والبرامج الإذاعية والتليفزيونية والقضايا والبلاغات.

 

لا أرى مبررًا لحالة القلق التي انتابت بعض الصحفيين بعد الإعلان عن خوض 6 من صحفيي الإخوان انتخابات مجلس نقابتهم المقررة في منتصف أكتوبر المقبل، بل كنت أتوقع ترحيبًا من الوسط الصحفي بإقدام هؤلاء الستة على ترشيح أنفسهم خدمة لزملائهم ولنقابتهم ولمهنتهم في وقت ربما يتراجع الكثيرون عن خوض الانتخابات؛ لأنها لم تعد تمثل مغنمًا، ولم تعد تعتمد على المنح والأعطيات الحكومية التي كان يوفرها نظام مبارك للموالين له بهدف السيطرة على النقابة.

 

ليست هذه هي المرة الأولى التي يترشح فيها مرشحون من الإخوان في انتخابات نقابة الصحفيين التي كانوا غائبين عنها حتى أواخر الثمانينيات، ولكنها المرة الأولى التي تواجه بهذه الحالة من الفزع غير المبرر، هي الأسطوانة المشروخة ذاتها والفزَّاعة الجاهزة دومًا التي كان يستخدمها من قبل نظام مبارك وحزبه الحاكم، واليوم تستخدمها قوى مدنية يفترض أنها ديمقراطية، وأنها ترحب بالرأي الآخر، وأنها تحتكم إلى صندوق الانتخابات وترتضي نتيجته لكنها– للأسف- تستخدم الفزاعة ذاتها، وتحذر من خطر ليس موجودًا إلا في أذهانها، وهو فرض الحراسة على نقابة الصحفيين إذا وصل الإخوان إليها، وكأنهم لم يكونوا فيها من قبل، وكأن الثورة لم تقم في مصر وتنهي عصر الحراسات والتدخلات الأمنية.

 

كما ذكرت آنفًا ليست المرة الأولى التي يخوض صحفيون منتمون للإخوان المسلمين انتخابات نقابتهم بعدد كبير، ففي انتخابات مجلس النقابة عام 2004م ترشح 5 مرشحون فاز منهم الأساتذة: محمد عبد القدوس، وصلاح عبد المقصود، وممدوح الولي، إضافة إلى محمد خراجة الذي دعمه الإخوان في تلك الانتخابات، وفي انتخابات 2008 ترشح أربعة، هم الأساتذة: محمد عبد القدوس، وصلاح عبد المقصود، وهاني مكاوي، وأحمد عز الدين، وفاز اثنان فقط، وبالتالي لا يعني ترشح 6 مرشحين هذه المرة أنهم سيفوزون جميعًا- وإن كانوا يحرصون على ذلك-

 

فالنخبة الصحفية هي من أعلى النخب وأكثرها قدرة على التمييز،  وأكثرها إدراكًا لمصلحتها ومصلحة نقابتها ومهنتها ووطنها على وجه العموم، وهم أنفسهم الصحفيون الذين سبق لهم اختيار زملاء لهم يعرفون انتماءهم للإخوان، ولمسوا قدرتهم على العمل والعطاء النقابي، سواء فيما يخص الخدمات العامة مثل مشاريع العلاج والتكافل والادخار، أو في قضايا الحريات وهموم المهنة بعيدًا عن الرداء الحزبي الذي يخلعونه على باب النقابة.

 

الصحفيون الإخوان المرشحون لم يأتوا من كوكب آخر، وليسوا دخلاء على الوسط الصحفي؛ بل هم صحفيون متميزون في مؤسساتهم سواء كانوا ينتمون لمؤسسات قومية أو حزبية أو مستقلة، وهم كذلك ناشطون نقابيون، لديهم القدرة على العطاء والخدمة العامة والدفاع عن المهنة وشرفها، وحين ترشح هؤلاء الصحفيون الستة لم يكن ذلك بترشيح من مكتب الإرشاد كما نشر في بعض الصحف، ولكنه جاء نتيجة عملية ديمقراطية قلَّ أن نشهدها في أماكن أخرى، وبعد انتخابات داخلية وفق شروط موضوعية تتعلق بكفاءة الشخص المهنية والنقابية، وقدرته على العطاء والخدمة العامة، وقدرته على الدفاع عن المهنة والمفاوضة مع الجهات المختصة لنيل حقوق الصحفيين بشرف دون تسول، فهم يدركون جيدًا أن المرحلة المقبلة ستعتمد أساسًا على قدرة النقابة على تنمية مواردها ذاتيًّا بعيدًا عن الرشاوي والمنح الحكومية التي كانت تصرف من قبل، وهم يدركون أن المرحلة المقبلة ستشهد تغوُّلاً لرجال الأعمال وغيرهم على الصحافة والصحفيين، و"جرجرتهم" في المحاكم والنيابات، وربما ملاحقتهم على الطرق والجسور، وكذا ميل السلطات العامة لإلغاء المكاسب التي حصل عليها الصحفيون في فترات سابقة، وأهمها بدل التدريب والتكنولوجيا، ومن هنا تكمن أهمية تضافر جميع الجهود؛ لمواجهة هذه الهجمة المتوقعة.

 

لقد عانى مجلس نقابة الصحفيين الأخير من الانقسام الحاد بين أعضائه، وهو ما انعكس سلبًا على أداء المجلس وعلى مشاكل الصحفيين وهموم المهنة، ومن هنا تأتي أهمية انتخاب فريق متجانس قادر على العطاء والتفاوض الجماعي، بعيدًا عن الصراعات والمناكفات الضيقة، وليس بالضرورة أن يكون هذا المجلس من أغلبية إخوانية أو ناصرية أو ليبرالية أو مستقلين، فمن الممكن أن يضم هذه القوى جميعًا شريطة وجود قدر من التفاهم والتناغم بينها كما حدث في بعض الدورات السابقة.