في منطقة عشوائية قاتمة كل ما فيها يحملك على الهم والحزن والضيق، أسر أيتام، ومساكين ومعوزون، سكن مختلط وآخر متهالك، وثالث هو أشبه بالخرابة منه بالمسكن.. والمقاهي تأوي أسرابًا من البلطجية ومروجي المخدرات ومحترفي الإجرام.

 

أكوام الزبالة وشلالات المجاري ورائحة النظام السابق تزكم الأنوف وتقذف في القلوب وعلى النفوس مزيد من الضيق والألم. الأمكنة ضيقة والقلوب ضيقة والنفوس أضيق فتتنوع المشاحنات والمشاجرات والجرائم بين سرقة وقتل وزنا وأكل حقوق الآخر.

 

من جهةٍ أخرى هناك محاولات مستميتة من أهل الخير لفعل شيء لهذا المجتمع المفترى عليه، بعض المشاريع البسيطة وبعض المساعدات العشوائية لمساعدة الأسر قمنا بعمل قوافل طبية، ومعارض سلع معمرة مستعملة وجديدة، ودروس علمية ودروس تثقيفية ومحو أمية، بل وأنشطة رياضية ودروس فنية، والعجب في وسط هذا المجتمع يخرج من بينهم شباب ورجال ونساء يحملون الخير معنا فيجعلك تحس بالراحة والسلام.

 

وبينما نحن مهمومون بهذا الوضع الكئيب اتصل بي رجل أعمال لمقابلته.. قال لي عندنا أموال كثيرة جدًّا ونريد أن نقيم مشاريع الخيرية، والمشاريع الخدمية كبيرة وأريدك أن تساعدنا بالأفكار والرجال فأنا سمعت عنك وعنهم ما يشجعني على التعاون معكم بل لمست ذلك بنفسي.

 

وأردف الرجل الخمسيني صاحب الوجه المستدير: سأسلمك المشروع كاملاً إدارةً وتشغيلاً.. قلت له: مرحبًا.. وكانت على وجهه علامات من الجدية مختلطة بالفرح والسعادة والدفء، وقال: فقط سنضع يافطة باسمنا وسنقوم بعمل احتفال باسمنا عند افتتاح المشروع.. قلت لا بأس ولكن مَن أنتم؟ باقتضاب لم يغير حالته المزاجية قال: "الروتاري"... تجمدت ملامح وجهي تلعثمت قليلاً قلت له سأشاور زملائي وأرد عليك وانصرفت.

 

إخوة كبار أفاضل أحسبهم على خير لمستُ فيهم كل معاني الفهم والعلم والإخلاص والأمانة والورع قابلتهم في مجلسهم الكريم وعرضت عليهم الفكرة.. وضعوها في جدول الاجتماع.. عندما جئنا لها مروا عليها بكلمة واحدة: "لن نتعامل مع هذه الجهة المشبوهة"، ثم انتقل إلى البند التالي مباشرة، لكني لم أنتقل وجدانيًّا معهم لاحظوا ذلك.

 

قال لي: يا أخي الكريم أموالنا البسيطة الطاهرة وجهودنا البسيطة المخلصة سوف تكون أكثر تأثيرًا في المجتمع وأكثر قبولاً عند رب المجتمع.

 

ابتسمتُ، فلم أكن معترضًا بل كنتُ سارحًا في آفاق أخرى!! فأي تربيةٍ هذه التي تتسامى وتتعالى على الحطام النجس مهما كان بريقه.. أي نفسية قوية وواضحة التي تعرف شرف الوسيلة من شرف الغاية مهما كان موقفها واحتياجها.

 

أي عزيمةٍ وثباتٍ على المبدأ مهما حاول أصحاب الهوى والغدر ومهما زينوا وأرهبوا.

 

أي جمالٍ وبهاء وعفوية راقية وهم ينتقلون من نقطة إلى أخرى ويستفرغون جهدهم ووسعهم لله.

 

أي جماعة تلك التي تتحرى الحلال والشرعية في أعمالها؟ ..

 

أي منظومة هذه التي تحرص في سيرها على أصالة المنبع وركونها إلى سنة رسولها الأعظم فيسمو عملها ويزداد نفعه وصفائه ونقائه وطهارته وعفته...

 

أي إدارة تلك التي تعرف عدوها وعدو وطنها بدقة متناهية وتعرف كيف تتعامل معه بحسم ووضوح.

 

أي أفراد هؤلاء الذين يستلذون التعب والسهر من أجل أهليهم ووطنهم الغالي يبذلون من أجله قوتهم وقوت أولادهم ووقتهم ووقت أهليهم وأعمالهم دون انتظار أي جزاء.

 

تحيةَ إعزاز وإكبار لهم قادة وأفرادًا رجالاً ونساء، شبابًا وفتيات هم وكل من كان على شاكلتهم من الوطن الغالي الكريم، فهم فعلاً أمل مصر بل أمل العالم التعيس.

 

كل هذه الأفكار كانت تزاحمني وأنا أتذكر كلمة فضيلة المرشد حفظه الله وسدد خطاه عندما عاب على منظمات وأحزاب مصرية تلقت دعم من السفيرة الأمريكية وقادة أوروبا أقصد من وكلاء اليهود، وحذرهم من هذه الانهزامية المشينة، فله منا تحية إعزاز وإكبار معلمًا وقائدًا.