الحديث عن إحياء دور الأزهر يعني بدايةً أن ندرك أن للأزهر دورًا مهمًّا في التعامل مع القضايا الداخلية والخارجية على حد سواء، ويعني أيضًا أن هذا الدور أصبح ضرورة وطنية ملحة، فاستعادة دور الأزهر ضرورة للتقدم، وضرورة للنهضة وضرورة لـ"التلاحم الوطني"، ومن ثمَّ فإن إعادة تفعيل دور الأزهر، يمكن أن يلغي الكثير من حالات الجدل الدائر بين الأحزاب والقوى السياسية، ويحقق تلاحمًا بينهم في مختلف القضايا؛ لأن للأزهر تأثيرًا كبيرًا في نفوس الجميع بوسطيته واعتداله، ويمكن أن يقرِّب بين مختلف الفرقاء؛ لأنه عامل تجميع لا تفريق، وهو الرباط الأساس في بلادنا بين الناس بمختلف طوائفهم وطبقاتهم وتوجهاتهم.

 

ولعل الوثيقة التي طرحها الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، تصب في هذا الاتجاه، ومن أبرز ما ورد في هذه الوثيقة ما جاء في البند الأول من دعم وتأسيس الدولة الوطنية الدستورية الديمقراطية الحديثة، التي تعتمد على دستور ترتضيه الأمة، يفصل بين سلطات الدولة ومؤسساتها القانونية الحاكمة، ويحدد إطار الحكم، ويضمن الحقوق والواجبات لكل أفرادها على قدم المساواة، بحيث تكون سلطة التشريع فيها لنواب الشعب؛ بما يتوافق مع المفهوم الإسلامي الصحيح؛ حيث لم يعرف الإسلام لا في تشريعاته ولا حضارته ولا تاريخه ما يعرف في الثقافات الأخرى بالدولة الدينية الكهنوتية التي تسلطت على الناس، وعانت منها البشرية فى بعض مراحل التاريخ، بل ترك للناس إدارة مجتمعاتهم واختيار الآليات والمؤسسات المحققة لمصالحهم، شريطة أن تكون المبادئ الكلية للشريعة الإسلامية هي المصدر الأساس للتشريع، وبما يضمن لأتباع الديانات السماوية الأخرى الاحتكام إلى شرائعهم الدينية في قضايا الأحوال الشخصية.

 

هذا البند في غاية الأهمية لأنه يؤكد الدولة القانونية الديمقراطية الدستورية التي يدعو إليها كل مخلص وطني في مصر، وتقوم على دستور تتوافق عليه كل طوائف الشعب المصري بكل اتجاهاته، مع دعم حقوق المواطنة، والفصل بين السلطات، والتأكيد أن الشريعة الإسلامية هي الضمانة الحقيقية لكل المواطنين على اختلاف أديانهم.

 

والحقيقة أننا في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ مصر نحتاج إلى توافق وطني يدفع بنا إلى الاستقرار للإسهام في نهوض مصر في كل المجالات واستعادة دورها في المنطقة العربية والإفريقية والدولية مرة أخرى.

 

إن دور الأزهر في نهضة مصر الحديثة هو المؤسس لبنيانها والرافع لأركانها، ولا يمكن الاستغناء عنه، فهو المنارة الهادية لطريق الرشاد، كما أن ما يدِّرسه من علوم تجعل من طلابه أشخاصًا لا يمكن التأثير فيهم بأفكار مغلوطة، الأمر الذي يجعله بالفعل حصن الدين المنيع ومنبر الاعتدال.

 

وهكذا فإن استعادة دور الأزهر، أصبح ضرورة إن لم يكن فريضة، من باب أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والواجب هنا هو إحداث حالة من التقارب والتوافق الوطني حول المبادئ الأساسية لنهضة مصر

 

وأعتقد أن تفعيل دور الأزهر يقتضي وضع خطة شاملة لتحقيق ذلك، وهذا عمل كبير بالطبع ينبغي أن يشارك فيه الهيئات والأفراد من العلماء والمفكرين والسياسيين والإداريين.

 

وأيًّا ما كان نوع النظام السياسي في مصر في المرحلة المقبلة، فإن الأزهر ينبغي أن يظل مستقلاًّ عنه، ومن ثَمَّ يُصبح ضميرًا لكل الأمة وليس للمصريين فقط، وينبغي أن تصبح مواقف الأزهر وعلمائه وشيخه بعيدة عن التأثير المباشر للسلطة في مصر، كما ينبغي أن يتم اختيار هيئة كبار العلماء وكذا شيخ الأزهر من خلال نوع من الاختيار يراعى فيه الجانب الإسلامي وليس المصري فقط، وهذا ما نصت عليه الوثيقة أيضًا.   

 

وهكذا يُصبح الأزهر وشيخ الأزهر قيادة فكرية للأمة كلها تعمل على الاهتمام بالقضايا ذات الاتفاق بين كل شرائح الأمة، مثل مقاومة الغزو والاحتلال الأجنبي، وتحقيق الوحدة بين المسلمين وليس تبرير تصرفات هذا الحاكم أو ذاك، فيصبح ما كان خطأ بالأمس صحيحًا اليوم والعكس صحيح؛ فتهتز صورة الأزهر وشيخ الأزهر وعلمائه.

 

وكلما زادت قوة الأزهر ونفوذه زادت قوة مصر بالضرورة، وزادت هيبة الآخرين للأزهر ولمصر.

 

وفي كلِّ الأحوال، فإن استعادة دور الأزهر هو واجب الوقت وضرورة وطنية للمِّ الشمل وتوحيد الصف للنهوض بمصرنا الحبيبة، وهذا هو الدور المطلوب في المرحلة القادمة.

 

-----------

nassareg2000@gmail.com

www.gamalnassar.com