يتشوق المرء أحيانًا إلى النظر والبحث في قديمه سواء كانت ذكريات أو كتابات أو أحداثًا، ومن عادتي أن أحتفظ بما يستوقفني من كتابات وآراء وأفكار الآخرين.
ومن هذه مقالة لأحد إخواننا في الوطن نُشرت في جريدة (الأهرام) في 21/1/1998م تحت عنوان "رمضان كريم.. تأمل مسيحي" للدكتور الأنبا يوحنا قلتة وكان في حينها النائب الباطريركي للأقباط الكاثوليك ونعيد نشرها اليوم بدون تعليق:
رمضان.. تأمل مسيحي
أحاول أن اخترق الحاجز التاريخي، حاجز الصمت والخوف، حاجز الجهل وثماره التعصب والخصام. أغامر لكي أعبر فوق أوهام لا تمت للحقيقة بصلة. سكنت في وعي أو في لا وعي الشرق وفي الغرب واستوطنت أعماقي. ولا يزال وجدان البشر شرقًا وغربًا مزدحمًا بما يشبه صراع العواطف وممزقًا بأصوات يتناقلها التاريخ عبر القرون الطوال وبالأحمال الثقال من المغالطات والتهم الباطلة والتفسيرات الغبية القاصرة وزيف الشروحات والتحامل على الإنسان الآخر، أحمال ناءت بها عقول المفكرين وأجهدت ضمائر ذوي الإرادة الصالحة وما زال القلق والخوف والحساسية والتحفظ السلبي أمورًا تحكم رؤية المسلم للمسيحي ورؤية المسيحي للمسلم وبنوعٍ خاص ما زالت شخصية الإنسان العظيم محمد بن عبد الله نبي الإسلام ورسول الحضارة العربية ما زالت أكبر من اكتشاف جوانب عظمته.
أتجاسر وأنا المسيحي العربي أن أقترب في تهيبٍ وفي خشوعٍ من شخصية (الرسول العربي) لا أتمنى أن يظن بي أحد أنني أتنكر لإيماني وعقيدتي أو أن يلصق بي تهمة النفاق والعياذ بالله، والله سبحانه وتعالى فاحص القلوب والضمائر والذي لا تأخذه سنة من النوم، فكلماتي ليست إلا دعوة إلى الحب والمودة والتفاهم وإقامة حوار إنساني رفيع بين الإنسان والإنسان المختلف عنه.
من أعماق الصحراء العربية الصامتة منذ مئات القرون فوق الرمال الحارقة والجفاف القاتل والظمأ الحاد والجوع الذي يدفع بالقبائل إلى التنقل والتقاتل من قلب قرية كبيرة أو مدينة صغيرة أُقيمت في قلب الصحراء، أحاطت بها الأساطير، اختلطت بالتاريخ وبالسير.
من أعماق الصمت خرج صوت يؤذن: لا إله إلا الله محمد رسول الله، حدث ذلك في بداية القرن السابع الميلادي، ولد الميلاد الهجري، كانت الصرخة قوية، زلزلت عرش كسرى وعرش قيصر والتفت العالم الفارسي، والعالم البيزنطي، الشرق والغرب في غير اكتراث، لم تنصت فارس إلى صوت قادم من القبائل العربية المتشرذمة، لم تهتم بيزنطة فقد أتتها قبل ذلك أصوات كثيرة من عمق الصحراء العربية، وعرفت كيف تكبتها وتمحو أصداءها.
لم يسمع الشرق أو الغرب، الشمال والجنوب عن محمد إلا حين دقت وفوده أبواب الشعوب والملوك تعلن لهم، جاء دين جديد يقول إنه امتداد وتكملة لمن سبقه، عقيدته أن محمد بن عبد الله بعث للناس نبيًّا يحمل دينًا جديدًا، ويحمل وحيًا منزلاً، لم يكن الأمر مفاجأةً، فقد تعودت المنطقة العربية على ظهور مدعين وأنبياء كذبة، لم يكن الأمر يثيرهمًًّا للغرب المطحون تحت حكم أباطرة بيزنطة أو للشرق المطحون تحت صدمات التمزق الديني، وأعتقد أن هذه الشخصية النبوية لم تزل مجهولةً لدى المسلمين أنفسهم تكون مجهولة بالأحرى عند غير المسلمين.
محمد بن عبد الله- صلى الله عليه وسلم- من أنت ياذا المهابة والجلال بالنسبة لي أنا المسيحي؟ مَن أنت يا صانع حضارة نقلت البشرية من عالم إلى عالم وأرست قواعد الدول والشعوب؟
مَن أنت أيها الآتي من قلب الأمية والجهل؟ من القاع. من سقط الشعوب القديمة. من أسرة فقدت الوالد. من قبيلة عبدت المال والتجارة. من أنت يا إنسان؟؟ يا رجل؟؟ يا رسول؟؟
مسيحي أؤمن بأن المسيح كلمة الله الذاتية الناطقة هو الوحي وكمال الوحي تعلمت هذا وملأ وجداني لكن أمام إنسانيتك أمام رسالتك أمام كتاب ربك الذي حملته أمام تاريخك أمام ذلك كله لا أجد حرجًا أو قلقًا أن أحني الرأس إجلالاً واحترامًا حبًّا وانبهارًا، لا يا سيدي لا ينكر فضلك وسموك إلا جاحد أو جاهل، دعني يا سيدي في شهر رمضان أرفع إلى مقامك السامي حبًّا وإكرامًا لأنك إنسان حملت كل سمو إنسانية الإنسان؛ لأنك رسول بعثت لتنقل المجتمع من حال إلى حال لأنك صاحب حضارة، لأنك قدوة للحكم، للمنتصر وللمنهزم للقوي وللضعيف لأنك إمام المؤمنين بالله الواحد وباليوم الأخير.
سيدي نبي الإسلام رسول الحضارة تقبل حبًّا وإجلالاً من مسيحي في الشهر المبارك.