- غياب الاستقرار والأمن دمر 20 مليون فدان صالحة للزراعة

- الصومال ثاني دولة في إنتاج الثروة الحيوانية على مستوى العالم

- أمريكا تحاول عرقلة حركة "شباب المجاهدين" وتشوه صورتها

- حل مشكلة الصومال يتطلب تضافر جهود منطقة القرن الإفريقي

تحقيق: الزهراء عامر، يارا نجاتي

 

"الصومال" رأس القرن الإفريقي.. على قائمة أفقر عشر دول في العالم بالرغم من حجم الموارد الضخمة التي تزخم بها أراضيها وسواحلها وبحارها، فلطالما تمتعت الصومال بعوامل إستراتيجية جعلتها على مرِّ الأزمان عامل جذب قوي للقوى المتصارعة لتحقيق أهداف عسكرية إستراتيجية؛ حيث تتاخم مناطق عدة هي مناطق (البحر الأحمر والمحيط الهندي) وتقع في مكان التقاء قارتي إفريقيا وآسيا، ويتفاوت توزيع الكثافة السكانية في هذه المناطق، فالمناطق الجنوبية من الصومال هي الأكثر في عدد السكان عن غيرها.

 

ويتركز الجانب الأكبر من موارد الصومال في الرعي والزراعة، لكن نسبة استغلالهما لا تتعدى 2% من مساحة الأراضي الصالحة للزراعة كما قدر الخبراء، وتعتمد الصومال بشكل رئيسي على تصدير رءوس الماشية إلى دول الخليج العربي، لكن مع الثروة الحيوانية الضخمة التي تمتلكها البلاد إلا أن أغلبها تموت بمعدلات مرتفعة بسبب الجفاف.

 

وتحتوي أراضي الصومال على كنوز لم تستغل حتى الآن، وهي اليورانيوم والمعادن والنفط في المنطقة الوسطى والشمالية الشرقية من البلاد، أما الثروة السمكية الكبيرة تأتي من الساحل الطويل للصومال بدءًا من أقصى الشمال الغربي، مرورًا بخليج عدن، ثم المحيط الهندي إلى الحدود مع كينيا.

 

"ألف شلن"

أما عملة الصومال فهي أحد العجائب في العالم، لأنه لا يوجد بها غير عملة واحدة "ألف شلن"، لا يطبعها البنك المركزي أو تشرف عليها وزارة المالية، حتى فقد الشعب ثقته فيها ولجأ إلى الدولار الأمريكي في أي تعاملات مادية.

 

حديث الأرقام حول الصومال يثير الرعب والفزع، فالأمم المتحدة تقدر أن 10% من أطفال الصومال يموتون كل 11 أسبوعًا في المجاعة، وأكثر من 13 طفلاً بين كل عشرة آلاف دون الخامسة يموتون يوميًّا في المناطق التي تعصف بها المجاعة، ويقع نصف تعداد الصوماليين أي 3,7 ملايين شخص تحت تهديد المجاعة من بين 12 مليون شخص قد تأثروا من جراء موجة الجفاف في شرق إفريقيا.

 

(إخوان أون لاين) يتعرف على بعض ملامح الصومال التي قادته إلى تلك الكارثة الإنسانية، التي تجعل الأم تختار بين أبنائها من تلقيه ومن تهرب به إلى أحد المعسكرات اللاجئين، لتختار بين الحياة والموت.. في التحقيق التالي:

 

 الصورة غير متاحة

 بدر شافعي

من جانبه يؤكد الدكتور بدر شافعي أستاذ العلوم السياسية والخبير في الشئون الإفريقية، أن الأزمة التي تطال الصومال حاليًّا لم تكن مفاجئة؛ بل حذر منها عدد من الجهات من عام 2006م، كمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة "الفاو" التي قالت أن 11 مليون شخص في الصومال، وكينيا، وجيبوتي وإثيوبيا يتعرضون لخطر المجاعة؛ بسبب مزيج من الجفاف الشديد والصراعات العسكرية.

 

ويبين الوضع السياسي المشتت في الصومال، قائلاً: إنها منقسمة إلى دولة (الصومال لاند) التي انفصلت في التسعينيات ولم تعترف بها أي دولة في المجتمع الدولي باستثناء أثيوبيا التي لها حساباتها ومصالحها الخاصة بها، أما في شمال شرق الصومال فهناك إقليم أعلن الحكم الذاتي منذ مدة طويلة، ولا يتبقى لحكومة الصومال بقيادة الشيخ شريف سوى السيطرة على 4 كيلو مترات من العاصمة مقديشو.

 

ويتابع: مؤخرًا انسحبت حركة "شباب المجاهدين" من العاصمة، وبقيت في مدن الجنوب حيث تتركز المجاعة الحالية هناك، مؤكدًا أن دولة بذلك الانقسام بالطبع تعاني من عدم استقرار دائم؛ مما يؤثر على محاولات حل أزمة الجفاف والمجاعة التي يتعرض لها الموطنون هناك، خاصة أن الجامعة العربية والمجتمع الدولي يتخوفان من وصول المساعدات إلى مستحقيها لأنهم مضطرون للتعامل مع "شباب المجاهدين" كسلطة حاكمة لتلك المناطق، باعتبارها سلطة غير رسمية.

 

وفيما يتعلق بحركة "شباب المجاهدين" والدور الذي تلعبه في الأزمة الحالية، يوضح د. شافعي أنها لا تمنع إيصال أي مساعدات إلى المواطنين المتضررين، إلا أنها ترفض دخول بعض من المنظمات الدولية إلى المناطق التي تسيطر عليها؛ لأنها تتهمها بمحاولة الدخول لتحقيق أهداف استخباراتية، إلى جانب ممارسة النشاط التبشيري، مشيرًا إلى أن بعض تلك المنظمات الدولية متورطة بالفعل في ممارسة هذه الأفعال، كما ظهر من قبل في عدد من الدول الإفريقية الأخرى، كإقليم دارفور بالسودان، ونيجيريا.

 

ويقول: إن الحركة وضعت قائمة حظر منذ عام 2006م بالمنظمات المشتبه بها، إلا أن الحركة لم تبد أي عرقلة أو اعتراضًا على المنظمات العربية والإسلامية وكذلك بقية المنظمات الدولية الأخرى التي تتعامل مع الأزمة كحالة إنسانية، وليست كحالة للوصول إلى مصالح سياسية ودينية، مدللاً على أن تلك المنظمات تقوم بتقديم مساعداتها للصوماليين اللاجئين في الخارج كأثيوبيا وكينيا بدلاً من الوصول إلى الأزمة في عقر دارها، وهو ما يشكل خطرًا على الأطفال والشباب الذين يبقون في معسكرات اللاجئين بالخارج ويعود أهاليهم إلى الصومال مرة أخرى.

 

ويضع جانبًا آخر للمؤثرات السياسية الخارجية على الأزمة في الصومال، وهو أن المجتمع الدولي يعمل حاليًّا على الترويج لحركة "شباب الجهاد" على أنها حركة إرهابية، كما تعتبرها أمريكا، ولكن على أرض الواقع هي قدمت الكثير من التسهيلات لوصول المساعدات إلى المتضررين بالفعل، وما يحدث هو محاولة لعرقلة الحركة من المجتمع الدولي.

 

ندرة الأمطار

 الصورة غير متاحة

د. مغاوري شحاتة

أما أسباب المجاعة الجديدة فيرجعها الدكتور مغاوري شحاتة خبير المياه الدولي إلى الوضع بالغ الصعوبة في الصومال، الذي يتمثل في قلة وندرة الأمطار الموسمية، بجانب العشوائية في استخدام مياه الأنهار المارة بها وهما نهري "شبيلي وجيبوتي"، لأنهما يتميزان بأنهما من الأنهار السطحية المترامية الأطراف، يمتد جزء منها جنوبًا والآخر ساحلي شرقي على الخليج، وثالث يقع على المحيط الهندي، بالإضافة إلى قلة المياه الجوفية في الصومال.

 

ويقول: هناك مناطق غنية بالمياه وأخرى فقيرة شديدة الكحولة، كما تعتبر الطبيعية الجيولوجية والجغرافية الجبلية الصخرية هي الغالبة، مشيرًا إلى أن المناطق الواقعة في وسط الصومال وعلى طول الشريط الحدودي العريض مع أثيوبيا وصولاً إلى الحدود مع كينيا وكذلك المناطق مناطق الجنوب القريبة من الساحل، أكثر أجزاء البلاد تضررًا من الجفاف؛ لأنها لم تتجاوز المستوى المتوسط لسقوط الأمطار.

 

ويضيف أن متوسط الأمطار التي سقطت في هذه المناطق خلال السنتين الأخيرتين وما قبلها منخفض بشكل كبير عن مستواها الطبيعي الذي اعتاد أهالي تلك المناطق عليه، وهو ما أدى إلى انخفاض هائل في معدل إنتاج المحاصيل، وتدهور حالة المواشي في الثروة الحيوانية، مما أثر بصورة مباشرة على الأمن الغذائي للسكان، مرجعًا تأخر هطول الأمطار إلى تغير في المُناخ العالمي.

 

ويبين أن نسبة الفاقد في المياه في الصومال كبير جدًّا، بالرغم من قلة نسبة مياه الأمطار والأنهار، بسبب العشوائية وعدم تنظيم استخدامات هذه المياه، خاصة مع عدم القدرة على تحويل مسارات الأنهار لتغطي احتياجات الدولة كلها، فضلاً عن عدم انتظام موعد سقوط الأمطار.

 

ويرى أن حل مشكلة الصومال المائية يكمن في إقامة المشروعات المائية لتخزين مياه الأمطار، وهو ما يتطلب تضافر جهود منطقة القرن الإفريقي وخاصة إريتريا وجيبوتي ومناطق جنوب الصحراء التي تتعرض باستمرار لموجات من الجفاف ومن ثم المجاعات.

 

الإهمال التام

ويؤكد الدكتور جمال صيام أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة القاهرة أن الصومال من أفقر الدول عالميًّا؛ حيث تقع فيما يسمى بدول جنوب الصحراء أو القرن الإفريقي، ولهذا أثرت حالة الجفاف التي ضربت الدول بتلك المنطقة تأثيرًا بالغًا وخاصة على المجال الزراعي والثروات الحيوانية التي يعمل بها ما يقرب من 80% من سكان هذه الدولة.

 

ويشير إلى أن نمط الزراعة الصومالية يعتمد في الأساس على الثروة الحيوانية والمراعي، وتعتبر ثاني دولة على مستوى العالم بعد السودان في امتلاك الثورة الحيوانية، مؤكدًا أن القضاء على الجزء الأكبر من مشاكل الصومال الاقتصادية وكذلك أزمة نقص الغذاء يأتي من تنمية هذه الموارد والعناية بها.

 

ويلفت النظر إلى أن دولة الصومال لديها موارد زراعية هائلة؛ ولكنها لم تستغل شأنها مثل دولة السودان؛ حيث تمتلك ما يقرب من 20 مليون فدان من الأراضي الزراعية الخصبة والصالحة للزراعة، مع إمكانية الاستفادة من تلك الأراضي الزراعية لمواجهة الكوارث الطبيعية الناتجة عن الجفاف.

 

ويبين أنه بالرغم من هذه المساحة الشاسعة والمتوفرة في جنوب الصومال فإن الاستثمارات المحلية شبه معدومة، ناهيك عن الاستثمارات العربية نتيجة غياب الدولة، والحروب الأهلية المستمرة في البلد التي وصلت الآن إلى عقدين متتالين، فضلاً عن غياب وسائل الزراعة الحديثة مع هجرة أصحاب التخصصات في هذا المجال إلى الخارج، وتأثيرها السلبي على النشاط الزراعي في البلاد، وهو ما أدى إلى ضآلة فرص الاستفادة من تلك الإمكانيات الزراعية المتميزة.

 

ويوضح أن المحاصيل الزيتية ومحاصيل الواحات تكثر في شمال الصومال شديدة الجفاف، أما في الجنوب على طول مجاري المياه فإن إمكانيات الزراعة في المساحات المروية متعددة، فقد كانت مساحات حقول الأرز وأشجار الموز وقصب السكر شاسعة قبل عشرين عامًا، فضلاً عن إمكانية اعتماد الزراعة بالأمطار في كل المناطق الوسطى والمناطق المحيطة بالأنهار التي لم تعد مروية، إذا كان معدل سقوط الأمطار جيدًا خلال الموسمين القادمين.

 

وحول أسباب عزوف المزارعين عن زراعة أراضيهم يقول صيام: إن ذلك يرجع إلى عدم استقرار الموارد المائية، وضعف الإمكانيات المادية، وغياب الأمن والاستقرار في الجنوب، موضحًا أن 80% من الزراعة الصومالية تعتمد على الري بالأمطار وبغياب الأمطار تنتهي الزراعة.

 

ويرى أن مشكلة الصومال تحتاج إلى زخم دولي وليس مجرد إطعام الأفواه الجائعة، ووضع خطط للقضاء على الفقر، وحل مشاكل التغيرات المناخية، بجانب مشروعات للري وتنظيم للأسواق، بجانب مساندة المجتمع الدولي للشعب الصومالي في حل مشاكله السياسية.