للمرة العاشرة يعود الحديث حول الدستور والمبادئ الحاكمة وهو الموضوع الذي كان مثارًا للجدل منذ تنحية الرئيس المخلوع حين تبنت بعض القوى السياسية فكرة بدء أعمال المرحلة الانتقالية بوضع دستور جديد, في حين تبنت قوى سياسية أخرى فكرة بدء المرحلة الانتقالية بالانتخابات البرلمانية, وكان لكلا الفريقين مبرراته المنطقية التي لم تقنع الفريق الآخر من شركاء الثورة, فاختلفنا وقررنا الاحتكام للشعب وجاءت نتيجة استفتاء 19 مارس وهو أول ممارسة ديمقراطية (ليس فقط بعد الثورة بل ربما كان اول تجربة ديمقراطية حقيقية يمارسها الشعب المصري منذ أكثر من ستين عامًا)، رغم ما سبقها وأعقبها من أخطاء تضمنتها تصريحات وتفسيرات ودعوات على الجانبين تبنت الحشد الديني أو التخوين الوطني، لكن لا علاقة لها بسلامة اجراءات الاستفتاء الحر الذي شارك فيه أكثر من 18 مليون مصري ليحسم الخلاف أن الأغلبية الشعبية قد اختارت الوصول للدستور من خلال البدء يالانتخابات البرلمانية وبآلية محددة وهي أن يشكل البرلمان هيئة صياغة نصوص الدستور الجديد ليتم عرضه على الشعب لاقراره أو رفضه.

 

كان المجلس الأعلى للقوات المسلحة قد أعلن في بيانه 13 فبراير وقف العمل بدستور 1971, لكن الاستفتاء الذي جاء على صورة تعديلات دستورية لمواد بأرقامها في الدستور القديم أوحت للبعض أن الدستور القديم لا زال ساريا الأمر الذي أثار لغطًا جديدًا قام معه المجلس الأعلى باختيار نصوص بعينها من الدستور الموقوف العمل به وأضافها لمواد الاستفتاء، وأضاف إليها مادتين جديدتين متعلقتين بدور وصلاحيات واختصاصات كل من مجلس الوزراء والمجلس الأعلى للقوات المسلحة في المرحلة الانتقالية, وتم وضع هذه النصوص جنبا إلى جنب لتصدر في إعلان دستوري صدرعن المجلس الأعلى للقوات المسلحة  بتاريخ 30 مارس 2011, الواقع أن لدينا الان استفتاءً شعبيًّا من الضروري الالتزام بنتائجه التي حددت شكل وترتيب اجراءات المرحلة الانتقالية بشكل قاطع كما حددت آلية واجراءات التعامل مع النصوص الدستورية الجديدة وإلا نكون قد أفسدنا أول تجرية ديمقراطية وأتحنا الفرصة لأي من الأطراف حين لا تعجبه نتائج الديمقراطية من خلال سابقة عدم الالتزام بنتائجها، وهو أمر له من الخطورة ما له على مستقبل الممارسة الديمقراطية.

 

ندرك أن هناك حالة من الخلاف والانقسام والتخوفات المتبادلة بين الأطراف المختلفة والتصريحات والتصرفات المقلقة للأطراف من بعضها البعض تستوجب السعي لوثيقة توافق وطني تؤكد على المباديء الأساسية التي تعلن كافة الأطراف التزامها بها وهنا أؤكد ان حالة من النضج والرشد والواقعية والاحترام المتبادل والتفهم لمصطلحات الآخر قد فرضت نفسها بما يبدد كثيرا من المخاوف المتبادلة حيث استقر لدى أغلبية الأطراف السياسية رفض مفاهيم الدولة الدينية كما رفض مفاهيم الدولة العلمانية سواء بسواء , وصار الكثير من الاسلاميين يؤكد على مبادئ (المواطنة- المساواة -رفض التمييز- الحريات العامة-التعددية- حقوق الانسان- سيادة القانون ومرجعية الدستور....) كما صار الكثير من غير الاسلاميين يؤكد على مبادئ (احترام مبادئ وثوابت وقيم الشريعة الإسلامية وكذلك الانتماء العربي والإسلامي للدولة المصرية), ندرك أن هناك غلاة على الطرفين لكن تبقى القاعدة أن الشاذ لا يقاس عليه, وأن أخطاء البعض لا تحكم الجميع وان مساحة القواسم المشتركة والتفهم لحقوق الاخر تزداد, وإن كثيرًا من التوافق يمكن أن يتحقق إذا تلاشت صور الهيمنة والغلبة على المشهد من جانب وصور الاحتكار والوصاية من الجانب الاخر وندرك أن جزءًا من هذه المشكلة له أبعاد سيكلوجية (نفسية), وربما تكون هناك اطراف تسعى لاستمرار الأزمة وتعميق الانقسام بين الأطراف  ولأسباب وأهداف متعددة.                                          

 

نتفهم أهمية صدور وثيقة أو وثائق من هذا النوع (وثيقة توافق وطني حول المبادئ الأساسية) تعلن الأطراف المختلفة التزامها بها بل سعيها لتحقيق هذه المباديء ونشرها مما يبعث على الاطمئنان,( وقد صدرت عدة وثائق بهذا الصدد), أما أن تصدر تلك المبادئ في صورة إعلان دستوري جديد من طرف واحد دون رجوع للشعب ودون تفويض منه لأحد بصياغتها وبالمخالفة لما حدده الشعب في الاستفتاء ودون عودة إليه لإقرارها أو رفضها فهذا فيه من الخطورة ما فيه وهنا ينبغي التنبيه إلى أن إقرار مبدأ أحقية أي من الأطراف في التصرف الدستوري دون الرجوع للشعب ودون التفويض منه هو ضرب للعملية الديمقراطية في الصميم حتى وإن كان محتوى الوثيقة محل توافق وطني؛ لأن الذي يملك إصدار مواد دستورية (متوافق على مضمونها) منفردًا دون تفويض أو رجوع للشعب سيملك إصدار مواد أخرى( ليست محل توافق على مضمونها) بشكل منفرد دون الرجوع للشعب كذلك, ولا يبرر هذا أن الإعلان الدستوري السابق قد صدر دون استفتاء فالخطأ لا يبرر مزيدًا من الأخطاء.          

 

ملحوظة: -  كنت قد كتبت مقالا نشر في 15 مارس (قبل الاستفتاء بعدة ايام ) تحت عنوان ( تعديل على التعديلات الدستورية ) اقترحت فيه أن يتضمن الاستفتاء  المواد المتعلقة بصلاحيات المجلس الأعلى للقوات المسلحة في الفترة الانتقالية لتأخذ مشروعيتها من موافقة الشعب عليها,و ليستقر في المشهد السياسي المصري بعد الثورة  مبدا (السيادة للشعب) و(الشعب مصدر السلطات) وضرورة (احترام الارادة الشعبية والالتزام بنتائجها والوقوف عندها) .                                                        

 

2-ليس في الصلاحيات المنصوص عليها في الاعلان الدستوري الأول (وهي عشر صلاحيات للمجلس الأعلى للقوات المسلحة جاءت في المادة 56على سبيل الحصر وثمانية صلاحيات لمجلس الوزراء جاءت في المادة 57 على سبيل الحصر كذلك ) أية صلاحية تتعلق بوضع نصوص دستورية .                                                 

 

أخيرا:  جميل أن يدعو الأزهر الشريف كافة القوى والأحزاب السياسية ومرشحي الرئاسة لاجتماع  تم فيه التوافق على مجموعة المباديء الأساسية بما يؤكد التوافق الوطني وبيدد المخاوف المتبادلة  ويهيء الأجواء للسير المشترك نحو استحقاقات المرحلة الانتقالية, شريطة ألا تتحول هذه الوثيقة (أو أي وثيقة أخري) الي اعلان دستوري يكون صدوررها بشكل منفرد - دون الرجوع للشعب ولا تفويض منه وبالمخالفة لنتيجة الاستفتاء وبالمخالفة للصلاحيات المنصوص علبها في الاعلان السابق- هو أكبر طعنة في التجربة الديمقراطية الوليدة.    17/8/2011

Malbeltagy1@gmail.com