كان وما زال الواجب الأول والأخير بعد انتصار الثورة في 11 فبراير 2011 أن تواصل القوى الوطنية الثورية جهودها لاستكمال مطالب الثورة المباركة، بنفس الروح والأخوَّة والوحدة التي احتضنها ميدان التحرير وكل ميادين الثورة في مصر، ولكن يبدو أن هناك إصرارًا لدى البعض على النظر تحت قدميه والعيش تحت تأثير الزمان الغابر.
تبدَّى هذا الخلل مع مشهد استحضار معركة جديدة هي الدفع في اتجاه إصدار إعلان دستوري غير قانوني بمبادئ وهمية لا دستورية تحت لافتتي "مبادئ فوق دستورية" و"مواد حاكمة للدستور"، وهي معركة تمثل امتدادًا لمعارك إبعاد المجلس العسكري وتعيين مجلس رئاسي، وحملة الدستور أولاً، وغيرهما..
كل هذا يمثل إهدارًا صارخًا لكل القيم النبيلة التي تحتاجها مصر الثورة لبناء وطن جديد، وخلق جيل ثوري جديد، وإصرار على المضي قدمًا في اللعب بالنار، وهو فعل لا يقع فيه إلا الذين لا يعون بعد معنى المسئولية وحق الثورة.
فما معنى أن يخترع فريق وهمًا يصنعه على عينه، وتبادر بعض وسائل الإعلام والصحف إلى تقنين الوهم، ويدسوا جميعًا على الإرادة الشعبية، وخريطة الانتقال القانوني المنضبط للسلطة التي وضعتها نتائج الاستفتاء على التعديلات الدستورية؟!
وما معنى أن يغلف المجلس الأعلى للقوات المسلحة هذا الوهم، ويعلن إصدار إعلان دستوري، ويسعى مجلس الوزراء لصياغته، رغم أن هذا كله ضد الإرادة الشعبية واعتداء على حق الشعب وافتئات على لجنة وضع الدستور التي يشكِّلها البرلمان الجديد المنتخب؟
يا سادة.. لقد كان بيننا وبين المشنقة خطوة فأنقذنا الله عز وجل وأكرمنا بثورة مباركة، أزاحت كنز الكيان الصهيوني الأكبر في المنطقة، وبدأت إعادة صياغتها، ونسير رغم الأجواء المتلاطمة والأعاصير والأحقاد في طريق استكمال النجاح الكامل للثورة، فينبغي ألا نوقف محطة الثورة في غير محطتها، وننحرف بها عن غير طريقها.
إن الوقت أغلى من إهداره في مثل هذا العبث الخادش للدستور الجديد، ويكفي أن نتوافق على مسودة المبادئ الأساسية لدستور الدولة المصرية الحديثة، والتي صدرت عن أحزاب "التحالف الديمقراطي من أجل مصر"؛ الذي يضم 34 حزبًا سياسيًّا، والتي تعدُّ خلاصة لـ11 وثيقة قدمتها العديد من الأحزاب والقوى والشخصيات الوطنية، وفي مقدمتها وثيقة الأزهر لبناء وتحصين دولة القانون بمقوماتها المدنية الديمقراطية الحديثة من باب الاستنئاس والاسترشاد لا الإلزام والإكراه، وفرض الوصاية وإهدار القانون.
يجب على شركاء الثورة جميعًا أن يلتفوا حول الشعب، وأن ينزلوا على إرادته، وأن ينكروا ذواتهم أمام سيادته المستمدة من كونه مصدر السلطات، وأن يتوقفوا عن الزيغ عن الطريق والحديث عن "الوهم"؛ لأن الشعب هو قائد المرحلة المقبلة فحسب، طبقًا للتوقيت المحلي للثورة المصرية.