حث الإسلام على المسارعة في الخيرات فقال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133)) (آل عمران)، وحث الرسول صلى الله عليه وسلم على المسارعة إلى الخيرات؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "بادروا بالأعمال الصالحة فستكون فتن كقطع الليل المظلم, يُصبح الرجل مؤمنًا ويُمسي كافرًا, يبيع دينه بعرض من الدنيا"، ومن المسارعة في الخيرا ت امتثال أوامر القرآن الكريم واجتناب نواهيه.
فحين أنزل الله القرآن على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وقرأه هذا النبي الكريم على قومه عمل في نفوسهم عمل السحر، وبلغ أثره أعماق هذه القلوب، وتغلغل في حنايا الضلوع، وتمكن من مكامن الأرواح، وبدَّل الله به هذه الأمة خلفًا آخر؛ فكان البون بعيدًا والفارق عظيمًا بين الأمة العربية في جاهليتها وإسلامها.. (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (9)) (الإسراء).
ولقد أثّر القرآن في نفوس المشركين والمؤمنين على السواء, ولكن أثره في نفوس المشركين كان أثرًا وقتيًّا سلبيًّا، وكانوا يفرون منه ويضعون الحوائل فيما بينهم وبينه، يقول بعضهم لبعض: (لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26)) (فصلت).
أما المؤمنون؛ فكانوا (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (18)) (الزمر)، فكان أثر القرآن في نفوسهم دائمًا إيجابيًّا، بدَّلهم وغيّرهم وحوّلهم من حال إلى حال، ودفعهم إلى كرائم الخصال وجلائل الأعمال (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23)) (الزمر).
وها هو القرآن الكريم يُتلى علينا ويُقرأ بين ظهرانينا؛ فهل تغيّرت به نفوسنا؟ وانطبعت عليه أخلاقنا؟ وفعل في قلوبنا كما كان يفعل في قلوب أسلافنا؟ لقد صرنا نقرأ القرآن قراءةً آليةً صرفة، كلمات تتردد، ونغمات تتعدد، ثم لا شيء إلا هذا، أما فيض القرآن وروحانيته, وهذا السيّال الدافق من التأثير القوي الفعال؛ فمن بيننا وبينه حجاب، ولهذا لم نكن صورة من النسخة الأولى التي ثأثرت بالقرآن، وتبدلت نفوسها به، وها نحن الآن نريد أن نقتدي بهذا السلف, ونريد أن ننهض من جديد في نفوس المسلمين وشعوب المسلمين بالقرآن.
وها هو شهر القرآن؛ شهر رمضان المبارك، يظلنا بروحانيته, فهل لنا أن نتصل بالقرآن صلة حقيقية تطهر من أرواحنا وتغير من نفوسنا؟
إننا نؤثر الدنيا ونحبها من كل قلوبنا؛ فهل لنا أن نستمع إلى قول الله العلي الكبير: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)) (التوبة)، وقوله تعالى: (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17)) (الأعلى)، وقوله تعالى: (مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (96)) (النحل)، فنؤثر ما عند الله على ما عند أنفسنا, ونحرص على مرضاته وجزيل مثوبته ولا نعبأ بما يصيبنا في سبيل الحق الذي ندبنا إليه من أذى في النفوس أو الأموال، ولن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، ولن يصيبنا إلا الخير بإذن الله؛ (فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175)) (آل عمران).
وإننا ننظر إلى الأسباب نظرة هي كل شيء، ونهمل في حسابنا إرادة العلي الكبير ومناصرته لأوليائه من حيث لا يحتسبون وتأييده إياهم بما يعلم الناس وما لا يعلمون، والله تعالى يقول: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً (3)) (الطلاق)، ويقول: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6)) (القصص) إلى غير ذلك من الآيات التي تكل الأمر كله لله من قبل ومن بعد.
والفُضيل بن عياض سيد الزهاد، قيل: إن سبب توبته أنه تعلَّق بجارية، فبينما هو يتسلق جدارًا ليصل إليها، سمع تاليًا يترنم بقوله تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ) (الحديد: من الآية 16) فقال: بلى، قد آن يا رب؛ اللهم إني قد تبت إليك وجعلت توبتي مجاورة البيت الحرام.
فهل لنا أن تتغير نفوسنا بهذا الوحي الرباني, والوعد القرآني، والتنزيل السماوي؛ فنكون بما في يد الله أوثق منا بما في يد أنفسنا؟!