في شهر رمضان تسمو النفوس والأرواح وترق القلوب ويزداد منحنى الإيمان ويكون المسلم أكثر استعدادًا لتقبل النصيحة والنزول على الحق ومراجعة الخطأ والاعتراف بفضل الآخرين والتسامح والتغافر والعودة لكل الأخلاق الإسلامية الجميلة.
والشيطان عليه لعنة الله قد صُفد وسُلسل في رمضان، ولكنه يستمر في التحريش بين المؤمنين ففي الحديث عنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ" (رواه أحمد)؛ لذلك أقدم مبادرة إصلاح ذات البين في كل شبر من أرض الوطن وهي مقدمة للإصلاح الشامل الكامل الذي ننشده لبناء وطننا بعد الثورة المباركة.
وأبدأ بالتذكير من القرآن بأوامر الرحمن في فضل الإصلاح بين الناس قال تعالى: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114)﴾ (النساء)، ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (النساء: من الآية 128)، ﴿فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (الأنفال: من الآية 1)، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10)﴾ (الحجرات).
أما الأحاديث النبوية كثيرة في إرشاد الأمة إلى إصلاح ذات البين وأهمية ذلك في إقامة الدين وعظم الثواب الذي ينتظر من يقومون بهذه المهمة العظيمة والكبيرة، والتي تحتاج إلى صبر وحكمة وتجرد واستعانة بالله من قبل ومن بعد حتى يكون النجاح، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصَّلاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ" (رواه أحمد).
ولو نظرنا إلى المجتمع الذي نعيش فيه لوجدنا آلاف قضايا التشاحن والتناحر والمظالم بين الناس؛ ويتسبب ذلك في المرض العضال الذي ينهش في جسد المجتمع فيصيبه بالضعف الشديد، ويؤجل البناء والنصر، ويجعل الناس أشداء بينهم، ويختفي الحب والوئام أمام الكره والطغيان.
وانظر إلى ملايين القضايا في المحاكم، والتي تمر عليها السنين دون حكم عادل مما يزيد التوتر والتشاحن بين الناس وما أفضل ما يقوم به الإخوان المسلمون وغيرهم من لجان الصلح في كل قرية ومدينة وما تبناه قسم البر المركزي من تكوين لجان صلح تطوعية تجوب أرجاء البلاد للوصول للهدف المرجو من الصلح، ولكني أدعو الإخوان وغيرهم من الصالحين إلى تبني هذا الأمر في الأيام الباقية من شهر رمضان وما بعد رمضان؛ لأن الشعب قادم على مرحلة تاريخية ليبني فيها البلاد بعد أن أسقط الفساد، وأحذرُ من التنازع المذموم على حطام الدنيا والمكاسب الزائلة التي يزينها الشيطان للإنسان على حساب الدين.. ﴿وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (آل عمران: من الآية 46)، ويحذرنا النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: "فوالله مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ" (متفق عليه).
وأحب أن أوجه صاحب مبادرة إصلاح ذات البين إلى الخطوات التالية لنجاح المهمة:
1) الاستعانة بالله والاخلاص إليه في السعي في هذه المهمة.
2) استشعار عظم الأجر وأهمية العمل.
3) كسب حب وثقة المتنازعين والمتشاحنين أولاً.
4) الاستعانة بالصالحين وأهل الفضل والخير.
5) الحكمة والذكاء في معالجة الأمور ففي الحديث عن أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ رضى الله عنها أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِي خَيْرًا أَوْ يَقُولُ خَيْرًا" (متفق عليه).
6) الموعظة والتذكير الإيماني وضرب الأمثلة والمواقف لكسب قلوب المتشاحنين.
7) التخصص الفني في جانب المشكلة والاستعانة بأهل الرأي للوصول إلى الحكم السديد العادل.
8) الحسم والاتفاق على ضرورة الوفاء والالتزام بما تقره اللجان وإلزام جميع الأطراف بالوسائل المعروفة التي يرتضيها الجميع.
ولنردد جميعًا بعد هذه المبادرة الشعار الجميل الذي نعيش في ظلاله "الشعب يريد إصلاح ذات البين".