جوهر الخلاف بين نخبة المجتمع المصري من الليبراليين وأنصار المرجعية الدينية هو كيفية بلوغ كلمة سواء تحافظ على حرية الاختيار في إطار سيادة المرجعية الدينية، فبينما الليبراليون يعتقدون أن المرجعية الدينية تحد من حرية الاختيار وتعيق الإبداع، هناك تفاوت بين أنصار المرجعية الدينية في مفهوم دورها في إدارة نظام الدولة، ورغم ذلك فمفهوم الحرية والعدل والعدالة لا يتغير، فحرية اختيار الفرد يحكمها الرشد والمسئولية تجاه نفسه وتجاه مجتمعه، وجناحا الحرية هما العدل، أي إحقاق الحق، والعدالة، أي تحقيق عدالة التوزيع وتكافؤ الفرص، وقد ترسخت في ذهني، من خلال معايشة المجتمع الأمريكي خلال العقود الثلاثة الأخيرة شواهد دالة على تغير الفكر نحو تبني المرجعية الدينية؛ لتحقيق العدل والعدالة وممارسة الحرية المسئولة، أسوق هنا بعضها:

 

في أواخر عام 1996م صاحبت زوجتي لمستشفى عريق في الولايات المتحدة الأمريكية؛ ليُجري لها عملية جراحية كبرى، ووافق الجراح على أن أكون لها مرافقًا في المستشفى- فهذا أمر يقرره الطبيب وفق حالة المريض وليس وفق قدرته المالية- وهناك تجاذبت أطراف  الحديث لقتل الإحساس بالوحدة، وكان حظي بجوار طبيبة في أواسط العمر- يبدو من ملامح وجهها ونطقها للإنجليزية أنها من أصل لاتيني- بادرتني بالتحية واستطردت: أعلم أنك ترافق زوجتك وأنك أستاذ جامعي مثقف، ألحظ ذلك من طلاقة لغتك الإنجليزية؛ فشكرتها، وبدأت حديثها بأنكم في مصر لديكم بناء اجتماعي متميز، وحدته الأسرة المتماسكة، ويبدو أن تأصل القيم الدينية لديكم تعينكم على ذلك، أتعلم أنني كنت زوجة لمهندس مرموق، ولكنه يعاقر الخمر، فإن ثار دار في البيت تكسيرًا لكل ما تطوله يداه، ثم تمتد يداه وأحيانًا قدماه لضربي وابننا الصغير، وعندما نفد صبري أقمت دعوى طلاق، وحصلت عليه، ولكنه كان من حين لآخر يعود ويمارس نفس الأعمال الفظة تلك، فرفعت قضية أخرى أثمرت عن حكم ألا يقرب محيط منزلي لمسافة 500 متر في كل الاتجاهات، ومضى عام في سلام، حمدت الله عليه، وتقدمت في عملي وتفوق ابني في مدرسته، وبعد شهر مضى من العام الثاني للحكم دهمنا طليقي وعاود أفعاله الهستيرية وهو ثمل، فهربنا، وذهبت لقسم الشرطة ومعي صورة الحكم، فبحث الضابط عن حيثيات الحكم على شاشة جهاز الكمبيوتر بالقسم- باعتباره المكلف بتنفيذه- فلم يجد أثرًا له فاتصل بالجهات الأعلى فتلقى نفس الإجابة... ليس هناك حكم صدر في هذا الشأن.. تم محوه من السجلات!.. صرخت يومها مندهشة، فنظر الضابط لي في أسى وهمس بما معناه لقد استشرى الفساد في مجتمعنا يا سيدتي حتى طال دور العدالة، ونظرت الطبيبة لوجهي فرأت علامات استغراب واستنكار فقالت: لا تستغرب، نعم أنت في أمريكا زعيمة الغرب الحر المتقدم، ولكننا بشر لديهم نقاط ضعف قاتلة تحتاج إيقاظًا للضمائر، واستطردت: أتعلم كيف قمت بحل مشكلتي؟، استأجرت أمنا خاصًّا لمنزلي، واشتريت سلاحًا شخصيًّا- حمل السلاح الشخصي في أمريكا مباح- وكلَّفني ذلك ثلث دخلي الشهري.

 

وتركتها بعد تحية طيبة وتجولت في حديقة المستشفى مشعلاً سيجارة، وأنا أفكر في هذه الرواية، أيقنت ساعتها أن أي مجتمع يحتاج لخشية الله لكي تبقى الضمائر يقظة.

 

وبعد نجاح العملية ومغادرتي المستشفى مع زوجتي لفندق قريب لنعود للمتابعة بعد عدة أيام، وكعادتنا نحن المصريين أقبلنا على الجراح الكبير مهللين مادحين لكفاءته غير المسبوقة، خاصة بعد أن خشي الجراحون- ليس فقط في مصر بل في بريطانيا- أن يقوموا بها، فبادرنا بابتسامة رقيقة وقال في صوت أحسست فيه بالصدق: يا عزيزي، القليل من هذا النجاح يرجع إلينا، ثم رفع يديه نحو السماء وقال: والأغلب أتى من هناك، ودعانا لمكتبه واستطرد فقال: إن جراحة المخ والأعصاب في أمريكا وفي هذا المستشفى بالذات فاقت كلَّ دول العالم، فهذا الصرح العلمي، يقصد المركز الطبي بتلك الجامعة مسئول عن 70% من الاكتشافات الطبية في العالم في القرن العشرين، ولكم في تعاملنا مع هذا العضو المعجز وهو المخ البشري غرست في يقين أغلب جراحي المخ والأعصاب هنا، إن النجاح مرجعيته بالدرجة الأولى قبل وبعد اجتهادنا البشري هي للرب خالقه.

 

وبعد حدث 11 سبتمبر الجلل كنت في مهمة علمية في إحدى الجامعات الأمريكية، كان المناخ الاجتماعي الأمريكي مفعمًا بتداعيات هذا الحدث وعلاقته بصفة خاصة بالإسلام، وفي إحدى الجولات في باحة الجامعة من أجل التدخين!! .. صادفت طالبة للدراسات العليا، أقبلت لتتجاذب الحديث حول محاضرتي في صباح ذلك اليوم، ثم جلسنا نحتسي القهوة حول بحيرة صغيرة داخل حرم الجامعة، حيث كان جو الربيع هناك رائع الإبهار -على نقيض الشتاء الثلجي الكئيب- المهم كان طبيعيًّا أن يتطرق الحديث للدين، ولكن المفاجأة أنها بادرتني بالقول: أريدك أن تحدثني عن الإسلام، فعاجلتها بالقول: أنا لست داعية، قالت: أعرف ولكن حدثني كمسلم مثقف، ولم تنتظر أجابتي، بل أجابت هي على دهشة ارتسمت على جبيني، أتعلم أن جيل الشباب الأمريكي منذ فترة يبحث في داخله عن مرجعية دينية تتشارك فيها كل أطيافه، فقلت لها: وهل زعماء العالم الحر- هكذا تطلق الثقافة الغربية على أمريكا-  في حاجة لنسج مرجعية دينية؟، وبمعنى آخر هل ترون أن الليبرالية المزدهرة في مجتمعكم وفي ظل دستور تباهون به أمم العالم تتطلب البحث عن مرجعية دينية؟، أم أنها نوع من الرفاهية الفكرية أو دوافع المعرفة الإنسانية؟، ففوجئت بها تسحب دولارًا ورقيًّا من جيب البنطلون الجينز وتقول: اقرأ ماذا على ظهر الدولار، قلت هناك عبارة نحن نثق في الرب، قالت أليست الأمم تنقش على عملاتها رمزًا لثقافتها، فمثلاً نقشتم على عملتكم صورة الهرم أو أبا الهول، وأضافت: هكذا يعلن هذا الجيل الأمريكي أنه يسعي ليقدم للعالم نموذجًا متميزًا من الليبرالية تحتضنها مرجعية دينية، فابتسمت واندهشت ولمعت عيناي بدمعة رقيقة، وقلت: ولكنني أرى أصدقاء لي منكم غير قليلين يتنقلون بين مبادئ ديانات شتى بعضها غير سماوي، أليس هذا دليلاً يناقض ما تعرضين؟ فضحكت الفتاة ووثبت واقفة، وصاحت: يا بروفيسور هذا يؤكد عزم هذا الجيل على البحث عن الأفضل بينها؛ لكي يصحح مسار الليبرالية بحيث يبقى ضمير أنصارها يقظًا دائمًا، فالليبرالية تسحب الضمير البشري أحيانًا كثيرة إلى سبات عميق والاعتقاد في رب نخشاه يحول دون سبات الضمير أحيانًا كثيرة، ومن ثم نحقق ضمانات سيادة العدل والعدالة نحو حرية مسئولة.

 

هذه الشواهد وغيرها دفعتني لمراجعة ما قرأته من مقولات الرئيس الأمريكي الخامس جيفرسون، مؤسس ميثاق الولايات على جدران النصب التذكاري في واشنطن العاصمة: "إن القوانين تشرع لكي تضبط أداء المجتمع، ولذلك يجب أن تنبع من تجارب أفراده، وبالتالي فهي غير مقدسة ومتغيرة"، كما أن محاولات الدكتور زكي نجيب محمود الفلسفية في سلسلة كتبه وعلى رأسها "مجتمع جديد أو الكارثة" أقل ما توصف به أنها مغامرة فكرية لمجتمعات بنت حضارتها على مقاصد الديانات السماوية، حيث كان يرى رحمه الله في حواراته مع فكر الدكتور مصطفى محمود أن الإنسان لا يمكن أن يكون تحت مظلة الدين عند تعامله مع أمور الدنيا، بل هو حقيقة يعيش في حجرتين إحداها لممارساته الدينية الروحية الثابتة، والأخرى يدخلها لممارساته الحياتية المادية المتغيرة، وينتقل الإنسان من إحداها إلى الأخرى عبر ممر قصير جدًّا وضيق للغاية- يكاد لا يرصد حركته بينهما- ولكنه بأي حال لا يستطيع أن يكون في كلا الحجرتين في وقت واحد.

 

وأيقنت أن رؤية الشيخ مصطفى لطفي المنفلوطي "إن القوانين توضع لحماية نظم الحكم ولكنها لا توقظ الضمائر" قد سبقت عصرها بكثير في تأصيل مفهوم مبدأ المرجعية الدينية، من هنا نرى أن المرجعية الدينية ضرورة لاستدامة ضمائر الناس يقظانة، ومن ثَمَّ ضمان نزاهة مؤسسات تحقيق الأمن وإعمال العدل، فمبادئ أفضل دساتير العالم غير كافية للحفاظ على يقظة الضمير، لأن القائمين على تحقيق الأمن وتنفيذ القانون بشر، كثيرًا ما يطوعون ضمائرهم لإلحاح حاجات دنيوية لديهم أو لاتقاء ضغوط االسلطة أو المجتمع.

---------
* أستاذ بجامعة الزقازيق- 
ibsoliman@hotmail.com