آن الأوان لتطهير الصحافة من أرامل مبارك والسادات وعبد الناصر الذين ما زالوا يكذبون وينافقون ويقولون ما لا يفعلون.

 

لقد تم تغيير بعض رؤساء مجالس إدارات الصحف، وبعض رؤساء التحرير، وتحولت الصحف من تأييد النظام السابق والتسبيح بحمده، وتقديم قرابين الولاء والطاعة صباح مساء لرموزه، إلى الهجوم عليه، وكشف سوءاته، والحديث عن فضائحه وانحرافاته سواء كانت حقيقية أو غير حقيقية، مع لغة مسفة وهابطة في هجاء الرئيس المخلوع ممن كانوا يقدسونه ويعبدونه من دون الله.

 

التغيير الذي تم بمعرفة نائب رئيس الوزراء المخلوع يحيى الجمل، لم يكن صالحًا ولا مقبولاً، لأنه أبقى على جذوة الفساد الصحفي متقدة، وعلى الأقلام التي لا تعرف الوضوء مستمرة، وعلى الموالين للأنظمة السابقة كما هم، ونتج من ذلك أن الفاسد قد تحول وتلون وصار بطلاً ومناضلاً ومخططًا للمستقبل الثوري، وأن عدو الإسلام الذي كان يعمل "بصاصًا" ما زال يحرض على الإسلام والحركة الإسلامية، ولم تصل أخبار الدنيا التي تغيرت وجعلت من حق الناس جميعًا أن يشاركوا في بناء الوطن إليه، وأن صنيعة لاظوغلي ما زال يرى أن العلم الأسود في ميدان التحرير أهم من إعلان الدولة الطائفية في واشنطن، وأن علم السعودية الذي قيل إن متظاهرًا كان يرفعه أخطر من طلب الحماية الدولية على مصر.

 

الصحافة لم تتغير إلا من المديح الفج إلى الهجاء المسف، ما عدا ذلك فالأقلام التي لا ضمير لها هي التي تكثر الكلام والآراء والأفكار، وتحاول أن تشكل العقل المصري بعد الثورة، وتوجهه لما يخدم مخططات الصهيوني هنري كورييل، وفي مقدمتها تأجيل الانتخابات، وتعطيل انتقال السلطة من المجلس العسكري إلى سلطة الشعب، فضلاً عن إقصاء الأغلبية الساحقة من الشعب المصري ومنعها من إقامة بناء دولة ديمقراطية حرة يتداول الناس فيها الحكم، وإرباك الدولة أو إسقاطها إذا استطاعوا..

 

إن أغلبية العناصر المسيطرة على الصحف المصرية الحكومية أو القومية كما تسمى، من العناصر التي تماهت مع النظام الفاسد السابق، لدرجة أن بعضهم كان يعين الوزراء أو يقصف عمرهم الوزاري من خلال علاقته بالنظام الفاسد البائد..

 

ثم إن هذه العناصر المهيمنة الآن في معظمها، تكره الإسلام والحرية والعدالة والكرامة، وتعلم أنها لا تنتعش إلا في ظل الطغيان والحكم الفردي والنظام البوليسي الفاشي، لأنها في ظل هذا المناخ تحقق مكاسب شخصية كبيرة، ومنافع خاصة لا تتحقق في ظل الحرية والشفافية والنزاهة..

 

 وتغص الصحف القومية بنوعية معينة من كتاب السوء منذ عهد الناصر حتى اليوم، وهؤلاء بلغوا من السن أرذله وتجاوز بعضهم الثمانين، وصعد بعضهم إلى مناصبه الرفيعة من خلال العمل "بصاصًا" للنظام الأمني سواءً في الخارج أو في الداخل.. هؤلاء ما زالوا يطالعون القارئ يوميًّا بمقالاتهم الرديئة التي لا تحمل خبرًا متميزًا، أو تحليلاً ثاقبًا، أو قراءة بصيرة.

 

إنهم يكتبون كلامًا غثًًّا يمدح السلطان وحاشيته، أو يهجو معارضيه بأقذع ما عرف القاموس، وبالطبع يكون نصيب الإسلاميين من سلفيين وإخوان وجماعات أخرى وافرًا من التشهير والإهانة دون أن يتمكنوا من الرد على فخامة "البصاص" الذي هبط بالمخبر الصحفي إلى مستوى المخبر الأمني دون أن يحمل شرف خدمة الوطن..

 

ومن المفارقات أن هؤلاء "البصاصين" الكبار نزحوا من أموال المؤسسات الصحفية ما لا يستحقونه، فليست لديهم خبرة فائقة أو مهنية نادرة، ولكن خبرتهم أو مهنيتهم تتركز في إرضاء السلطان والحاشية، وقهر الخصوم والمعارضة، ولا مانع أن يستعينوا للاستمرار في مناصبهم بتقديم الهدايا الغالية بالملايين، والقرابين المعلنة أو الخفية، ولديهم استعداد لتغيير دفة الاتجاه من النقيض إلى النقيض، فقد أيدوا الاشتراكية في عهد عبد الناصر، وأيدوا الانفتاح في عهد السادات، وأيدوا أمريكا والغرب بلا حدود في عهد مبارك مثلما أيدوا الاتحاد السوفيتي في عهدي عبد الناصر والسادات، وموقفهم من اليهود الصهاينة الغزاة في عهد عبد الناصر كان هو الرفض وبعد النكسة كان إزالة العدوان، وبعد "كامب ديفيد" كان الدعوة إلى السلام، وبعضهم كان يؤدي فريضة الحج، فترك عرفات وركب إلى القدس تأييدًا للسادات، وصار بعضهم في عهد مبارك مستشارًا خاصًًّا في الشأن الصهيوني، ينقل الرسائل السرية بين فخامة الرئيس وقادة العدو، ويحكي عنهم طرائف وقصصًا وحكايات بوصفهم أصدقاء طيبين وليسوا غزاة محتلين، يبتلعون القدس والخليل ومقدسات المسلمين وأراضيهم..

 

هل هذه النوعية تستحق أن تستمر في مصادمة الشعور العام وتزييف الوعي، والاغتراف من أموال الناس ما لا يستحقون؟!.

 

هناك "بصاصون" أصغر قليلاً، تربوا في أحضان الأجهزة الأمنية، وكانوا اللسان الناطق باسم لاظوغلي، وكانوا يعرضون تقارير المخبرين الأمنيين على أنها تحقيقات صحفية، فأصابوا كثيرًا من الناس بشرورهم، واختلقوا حولهم الأكاذيب والأضاليل، ورموهم بما ليس فيهم، وبعضهم صار مسئولاً عن صحيفة أو مجلة، وما زال يمار دوره حتى الآن ويرتدي ثوب الثائر المناضل، وهؤلاء البصاصون يحرمون زملاءهم غير الموالين لهم من التعبير عن آرائهم أو نشر موضوعاتهم، فضلاً عن استمرار منهجهم الإجرامي ضدَّ الإسلام بنشر المقالات والموضوعات التي تشكك فيه وتسيء إليه، دون أن تسمح برد أو توضيح أو تصحيح.

 

ثم إن هناك صحفًا تعتمد بأكملها على من يسمون بالشيوعيين الحكوميين، وأسميهم باليسار المتأمرك، وهؤلاء إقصائيون لا يسمحون إلا لجماعاتهم بالتحرير والنشر، ومن عجب أن يقول بعضهم في صفاقة عجيبة إنه امتداد لرسالة أحمد حسن الزيات، بينما لا يجيد وجماعاته الإملاء أو التعبير السليم.

 

إن احتكار هذه النوعية لمطبوعات الدولة والشعب دون أن يتمكن من يأتون من جانب الأغلبية من النشر والتعبير عن أفكارهم يمثل حالة شاذة ومنكرة لا تستقيم في عالم ما بعد الثورة..

 

لقد عرفت الجماعة الصحفية أن هناك ثلاث نوعيات من الصحفيين الموالين للنظام البائد الفاسد وإن كانوا يرتدون الآن زي الثوار الشرفاء:

 

1 - من صنعتهم أجهزة السافاك (أمن الدولة) أو ما يعبر عنهم اختصارًا بعملاء لاظوغلي، وهؤلاء تكاثروا في الثمانينيات من القرن الماضي، وقاموا بحملاتهم المجرمة ضد الإسلام والحركة الإسلامية، ونشروا التقارير الكاذبة والمزيفة التي كان يحررها المخبرون الأمنيون، وهم معرفون بالاسم لدى ما تبقى من هذه الأجهزة، ويجب على وزارة الداخلية أن تعلن أسماء هؤلاء العملاء، لتأخذ نقابة الصحفيين موقفها منهم وفقًا لقانونها رقم 76 لسنة  1970م الذي أنشئت على أساسه، ومن مواده الواضحة أنه يجب على الصحفي أن يتوخى في سلوكه المهني مبادئ الشرف والأمانة والنزاهة أو أن يقوم بجميع الواجبات التي يفرضها عليه هذا القانون والنظام الداخلي للنقابة وآداب المهنة وتقاليدها.

 

2 - من صنعهم صفوت الشريف واستخدمهم ليكونوا حربة ضدَّ الشرفاء في المعارضة، أو ضد منافسيه في مؤسسات الدولة، وهؤلاء يعرفهم الوسط الصحفي جيدًا، ولهم أيضًا علاقة بأجهزة السافاك (أمن الدولة)، ويجب الكشف عنهم من جانب الداخلية أو من لهم صلة بالأمر.

 

3 - من صنعتهم لجنة السياسات في الحزب الوطني المنحل، وبعضهم تسلم مواقع قيادية في صحف ومجلات الدولة، واتخذ منها منبرًا للإطاحة بكل القيم الشريفة والأخلاق النبيلة من خلال هجاء المعارضين للدولة البوليسية الفاشية، وخاصة المعارضين الإسلاميين، ووصل الإسفاف والانحطاط ببعضهم دركة غير مسبوقة؛ فقد وصف أحدهم إحدى السيدات- زوجة معارض سجين- بأنها تربي كلابًا لأغراض يعف القلم عن ذكرها، ولكن المذكور لم يخجل؛ وهو يلوث سمعة سيدة لم تسئ إليه، ولم تقترف ما يوجب هذه الإهانة البالغة! إن أمثال هؤلاء الذين لم يتقوا الله، ولم يرقبوا في مؤمن إلًّا ولا ذمة؛ يجب أن تقوم نقابة الصحفيين بواجبها تجاههم، وتقوم بتطبيق قانونها عليهم، وهم معروفون بالاسم، ومقالاتهم وكتاباتهم موجودة بالصحف الورقية، والمواقع الإلكترونية، ولا يستطيعون التبرؤ منها..

 

وإذا كانت نقابة الصحفيين قد غضبت على المتحدث الرسمي باسم رئيس الوزراء الذي أشار إلى ضرورة تطهير الصحافة، ودافعت عن حرية الرأي وحق التعبير، فيجب عليها أن تدافع عن قانونها بمحاسبة أرامل مبارك الذين عاثوا في الأرض فسادًا، واستحلوا الحرام على حساب القيم والأخلاق وزملائهم في المهنة الذين حرموا من المناصب والمواقع والدخل الذي يتكافأ مع ما حصل عليه هؤلاء..

 

لا بدَّ من تطهير الصحافة، وإنهاء الإجرام في حقِّ الإسلام، والانحياز للنظام البائد الفاسد، واحتكار تلامذة هنري كورييل لبعض الصحف والمطبوعات.. وإلا فعلينا أن نترقب الطوفان!.