عرفنا من ألوان الطيف الحزبي تصنيفات وفقًا للتوجهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ما بين أحزاب يسارية، وأخرى رأسمالية، وثالثة وسطية- ما بين هذا وذاك- وعرفنا من ألوان الطيف الحزبية وفقًا للأداء أحزاب تعمل على السطح، ولكنها ورقية، لا تملك سوى جريدة بالكاد أسبوعية، وأخرى تعمل بصورة مخفية؛ لأنها محظورة من النظام الحاكم، بحكم أنها ذات جذور أصولية ومرجعية دينية، وتدثر النظام بحزب صنعه من توليفة من ألوان الديكتاتورية.

 

ويرصد هذا المقال ممارساتٍ جديدةً للتكتلات والأحزاب أضيفت لقاموس السياسة يرصدها برؤية غير منتمية لأي حزب أو جماعة سوى الجماعة الوطنية؛ أي ما أسميها تجنيًا "الغالبية الصامتة" والتي تفجَّرت طاقاتها في 25 يناير 2011م.

 

في المساحة الضيقة من هامش الحرية الذي سمح به النظام السابق، نمت صحف حزبية وأخرى تسمى مستقلة، واتسع الهامش قليلاً لقنوات خاصة فضائية، ليس عن رغبة حقيقية لزيادة مساحة الحرية ولكن بهدف توسيع مساحة السوق وإيرادات شركات الأقمار الصناعية، فاستثمرت فيها الرأسمالية المصرية الجديدة الناشئة بمباركة النظام، في ظل سياسة اقتصادية تتبع مبدأ "التجارة شطارة"، والشطارة في أصول اللغة لا تعني الكفاءة، وأصبحت- وما زالت- برامج الحوار "التوك شو" هي الدجاجة التي تبيض ذهبًا لهذه القنوات، من خلال سيل الإعلانات واسع المدى دون حتى ضوابط اجتماعية أو قيميه لهذه الإعلانات، والتي- دون التفات- زادت احتقان الغالبية الكادحة من الشعب.

 

في ظلال ذلك تربت فرق من نجوم الحوار تبارت في قدرتها على نقد النظام، وأصبح نجاح قناة خاصة عن أخرى في مدى قدرتها على هذا النقد، وأصبحت تلك البرامج متنفسًا شبه وحيد للتسرية عن هموم الناس العاجلة وتطلعاتهم الآجلة، ولا شك إن كانت أجور مقدمي هذه البرامج الحوارية مليونية فإن للمشاركين فيها نصيبًا في ذلك، يكبر أو يصغر، وفق قياس حجم طلب المشاهدين في هيئة إيرادات الإعلانات المصاحبة لها.

 

وبعد الثورة أطلق على نجوم حوارات الفضائيات وبعض مقدمي برامجه النخبة، وهم في حقيقة الأمر الفئة المتطلعة لمكانة في النظام الجديد، ومن ثم بدأت هذه الفئة في تكوين جماعات، بعضها أسفر عن أحزاب جديدة أضافت لونًا جديدًا لألوان الطيف الحزبي، ربما نسميه "الأحزاب الفضائية"، توجهاتها شتى، وإن كان كل منها مزيجًا من توجهات صاحب القناة ونجومه من المحاورين، بمعنى أنه أصبح هناك فرق مثل فرق كرة القدم تبغي كسب دوري السياسة، ولكن بالكلمة، لا ينقصها إلا توحد الزي، يحتل كل منها ساحة قناة بعينها.

 

والغريب أن أغلب تلك الحوارات تتجلَّى في ساعات الليل المتأخرة وقرب ساعات الفجر، ونظرًا لأن نقد النظام القديم لم يعد سلعةً تجلب الشاهدة؛ لأنه أضحى أصغر شاب وأبسط رجل وامرأة في الشارع المصري قادرًا على عد مساوئ النظام البائد، فأصبح البحث عن مكان ولو موضع قدم في ساحة النظام الجديد هو قبلتها.

 

وعندما فوجئت تلك الفرق بأن الغالبية الصامتة والجماعات التي كانت محظورةً بحجاب النظام الباطل يتقدمون نحو ساحة النظام الجديد المستهدف بناؤه، غيَّروا لون الأداء إلى قدح هذه الجماعات ونعتوهم بالانتهازية وممالأة السلطة، سبحان الله!! فإن كانوا كذلك لم لم يفعلوها في ظل عنفوان النظام القديم وقدرته الغير المحدودة على العطاء ولم اشتروا بها تنكيل النظام بهم؟!

 

وليست الأحزاب الفضائية هي الوحيدة من الألوان المبتكرة للطيف الحزبي، بل هناك لون آخر مصطنع هو الجماعات أو الأحزاب "العبد مشتاقية" التي ينفق عليها رجال أعمال لم نعهد فيهم الاهتمام بالسياسة في أحاديثهم قبل الثورة، ومنهم من قضى عقودًا خارج الوطن ولم يذق طعم ماء الشرب المختلط بمياه الصرف الصحي، والخضر الملوثة في ظل معالي والي الزراعة الأسبق، سبحان الله!!.

 

ألم يكن أحد خطايا نظام مبارك أنه أتم زواج المال بالسلطة؟ ألم تقم ثورة يوليو المجيدة من أجل القضاء على سيطرة رأس المال على الحكم، فها هي تعود مرةً أخرى مستترةً تحت مظلات في الميدان أو معتليةً منصات حوله، أو بقضاء ساعات في الفضائيات- لا أعلم إن كانت مجانيةً أم لا- أو الإنفاق على مجموعات من الشباب والعمال، لا يفرقون- ربما ببراءة- بين المطالب والمآرب، فيمضون خلف هؤلاء القادمين من بعيد والذين سوف يتركونهم بلا ربان عندما تصل سفينتهم إلى شاطئ هم يبغون بلوغه.

 

يا سادة.. تواضعًا نقول: لقد تعلمنا من أحاديثكم قبل الثورة أن صندوق الانتخاب النزيه الشفاف الحر هو مدخل حكم الشعب بالشعب من أجل الشعب، فلم ننكر ذلك الآن؟ أم أننا ننكر رشد الناخب المصري في اختيار من يمثله حقًّا؟ فهل تبنَّيتم مدرسة أحمد نظيف من أن الشارع المصري ما زال غير ناضج سياسيًّا وغير قادر على تطبيق الديمقراطية؟ وإن كان المتوقع نزول ضعف عدد المواطنين الذين شاركوا في الاستفتاء إلى صناديق الانتخاب؛ فهم الغالبية، وحين انتخاب ستمائة ممثل للشعب أليسوا أجدر على اختيار من يضع مسودة الدستور مقارنةً بمسودات تضعونها مع حزمة من أنصاركم في غرف مكيفة باسم الشعب- أسميتموها فوق دستورية- ثم تفرضون مبدأ الالتزام بها ولم تستفتونا عليها، وإن كانت تضمن حقوق الإنسان، فإنها كانت موجودةً في كل دساتير مصر، حتى دستور 1971 والذي شوَّهه فقط تعديلات السادات ومبارك، ثم ألن تعرض المسودة علينا لنُستفتى عليها؟!

-------

* أستاذ بجامعة الزقازيق.