مضت الأيام وتحول الآمر إلى مأمور، تحول الحاكم إلى محاكَم، سبحان من له العزة والقدرة التي لا ينال منها أحد، لسنا من الشامتين ونرجو أن نكون من المعتبرين (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ) (يوسف: من الآية 111)، وستمضي الأجيال وستتحدث أجيال- بإذن الله- عن محاكمة مبارك وكل ما يحدث.
- أول سؤال يدور في ذهني: لماذا حدث هذا لمبارك من دون غيره؟ نعم. أعلم أنه قدر الله، ولكن أقدار الله كلها حكمة، قد لا نصل إلى حقيقتها ولكن نسعى لإدراك شيء منها.
- لقد سعى فاروق في الأرض فسادًا، وكان للإنجليز والألمان، وخَذَل أهل فلسطين, وكان له خصوصيات فاسدة نسمع عنها كثيرًا.
- لقد أفسد عبد الناصر الحرث والنسل، وفصل السودان عن مصر، ومكَّن للشيوعية في مصر، وأذاق الإخوان ألوانًا من العذاب، وحاول جهده إفساد الأزهر، وأحيا النعرات القومية وغير ذلك كثير.
- أما السادات فحسبه سوءًا معاهدة كامب ديفيد، وما تسبب فيه من تحويل انتصار العاشر من رمضان إلى هزيمة، ولكن عندما قال: "ما يبدل القول لدي" كان الانتقام، أيًّا كان السبب، مدبرًا أو غير مدبر، وأيًّا كان الرأي في الحادث.
- ونأتي لمبارك: هل فاق كل هؤلاء؟ هل الكبر والغرور والصلف والعجب؟ هل بطانة السوء؟ هل تنكيله بالإسلاميين من جميع الاتجاهات؟ هل الخضوع الذليل والمهين لليهود؟ هل ما كانت عليه أسرته من أسلوب التعامل ومنهجه مع الشعب؟ هل خضوعه للمطالب العالمية في إفساد الأسرة والمجتمع؟
قلت وأقول: إنها دروس تحتاج إلى فهم، وسوف تتبين أمورًا كثيرة، والأيام "حبالى تلد العجائب".
والأمر العجيب الآخر هذه الحالة التي بدت عليهم وهم في قفص الاتهام، وهنا أتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: "يشب ابن آدم وتشب معه خصلتان، الحرص وطول الأمل".
يا ترى، هل من كانوا في قفص الاتهام يرون أنفسهم ممثلين يقومون بمشهد درامي من إخراج حسن الإمام (اخترت حسن الإمام لأني أسمع دائمًا أن أفلامه تنتهي بفرحة)، بمعنى أن المشهد التمثيلي سينتهي ويعود كل واحد منهم إلى حياته العادية ومنصبه السابق عندما يسدل الستار، وسوف يصفق الشعب إعجابًا بأداء الممثلين لأدوارهم؟!
أم أن هؤلاء قد اعتادوا التمثيل وما هم فيه إلا دور من الأدوار، ولا يهم أن يخرج الممثل اليوم في دور "باشا" وفي فيلم آخر بواب "عمارة" المهم أنه يمثل.
أم هو الأمل وحب الحياة تجعل في نفس صاحبها قدرة على تجاوز الأحداث الخارجية بمظهر خدَّاع، إن منظر حبيب العادلي وهو خارج من قاعة المحكمة مبتسمًا يصافح القوات التي تستقله إلى محبسه تحتاج إلى خبراء الطب النفسي لتحليل هذه الظاهرة.
أم أنهم يريدون إيقاع اليأس في قلوب المشاهدين بأن ما يحدث أمور لا قيمة لها، حتى ينفجر الشعب مما يرى وتنقلب الأمور إلى مزيد من الفوضى أو تأخذ بالأمة إلى طريق اليأس والجزع؟.
المهم أنهم الآن في قفص الاتهام، والعالم كله ينظر إليهم سواء أكان كبيرهم على سرير أم على كرسي، وسواء لبس أزرق أو أبيض أو حتى لو كان لون ما يلبسه أحمر، ومن المؤكد أن زعماء العالم كلهم شاهدوا ما حدث، أين السجاد الأحمر الذي كان يفرش له؟ أين الحرس الذي كان يستقبله في المطارات؟ أين الموسيقى التي كانت تعزف له؟ أين وأين وأين؟ فهل من معتبر؟!!.
1- ومما أدهشني أن أحد المحامين عن أصحاب الحق المدني وهو يصرخ بأن الذي في القفص ليس "حسني مبارك"، وإنما شبيه به، وطالب بإجراء تحليل الـ "DNA" للتأكد من أنه مبارك!!! وأعجب منه ما سمعته من امرأة تقول لأخرى: "أكيد ماسْك واحد غيره- أي غير مبارك - لابسه لكي يضحك علينا".
يا ترى هل الأفلام والمسلسلات التي يشاهدها الناس ويخرج فيها البطل أو البطلة في دورين متناقضين أو يلبس ماسك، هل هذه الأفلام أثرت في الناس إلى هذه الدرجة، حتى بات الوهم يسيطر على الناس؟
2- كنت وما زلت أتمنى أن يقوم المستشار النائب العام وغيره من المسئولين وكذلك المستشار رئيس المحكمة بزيارة السجون ومعرفة مرضى القلب والأمراض المختلفة؛ حتى يتمكنوا من تحويلهم إلى المركز الطبي العالمي؛ لتحقيق العدالة بين المساجين، وحتى لا يُسألوا بين يدي الله سبحانه وتعالى يوم القيامة عن التفرقة بين المساجين.
3- وإذا قلنا إنه محبوس حبسًا احتياطيًّا وله الحق أن يعالج حيث يرى مع وجود الحراسة, فقد كنت أتمنى من أحد أقاربه (نسيب – قريب - صهر...) أيّ أحد أن يقوم نيابة عنه بدفع مصاريف العلاج والإقامة في الجناح الرئاسي, وبالمناسبة أنا سعيد لدرجة عالية جدًّا أنه في الجناح الرئاسي، لله الأمر من قبل ومن بعد، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
4- سيقول أناس: "ارحموا عزيز قوم ذل"، نقول: هناك شرطان أو وصفان تتحقق بهما رحمة المخلوقين لمن تحقق فيه ذلك:
الشرط الأول: أن يكون "عزيز قوم" أي أن القوم يحبونه ويقدرونه؛ لما له من يد كريمة وأفعال سخية، فهو عزيز بينهم لعلمه، أو عمله، أو لجوده، أو لغير ذلك.
أما أن يكون ذالاًّ لقومه، مضيعًا لثرواتهم وثروات البلاد، متكبرًا، متجبرًا، طاغية، عنيدًا، آمرًا بالقتل والسجن فيهم، لا يسلط عليهم إلا المفسدين، فهذا لا يسمى "عزيز قوم" وإنما يسمى "ذالاًّ لقومه".
الشرط الثاني: "ذل" أي أن ما حدث له خارجًا عن إرادته كأن يهلك المال الذي كان ينفق منه، أو يموت الولد الذي كان يرعاه، فهنا يضعف الإنسان ضعفًا شديدًا يحتاج من يقف إلى جواره.
أما ما نراه فهو الذي أذل الناس وأهان الناس، وخرب بيوت الناس ودماءهم، وجعلهم مع حبيبه الظالم مستباحين بخراب الدولة– أمن الدولة سابقًا- كل الدولة.
5- وأنا أشاهد المحاكمة فهمت معنى: (إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا) (القصص: من الآية 8) أدركت معنى دخول جنودهما مع فرعون وهامان، اليوم تجرد فرعون وهامان من جنودهما، فماذا يستطيعان أن يفعلا؟ لا شيء.
هل كان الظالم حسني مبارك يستطيع أن يمدد قانون الطوارئ الذي كان يسيئ استخدامه هو والعادلي في ظلم الناس لولا أعضاء مجلس الشعب والشورى جنود فرعون وهامان؟.
هل كان الظالم حسني مبارك يستطيع أن يمرر أوامر البيع والتخصيص الهالكة للأمة لولا جنود فرعون وهامان من الوزراء والخانعين معهم؟.
هل كان الظالم حسني مبارك ومن معه يستطيعون إفساد الانتخابات العامة والجامعية والنقابية والعمالية وغيرها إلا بواسطة الجنود من رؤساء الجامعات وعمداء الكليات والمنتفعين في النقابات والمجالس النيابية من الجنود الذين سيحشرون مع أسيادهم ويسأل الجميع عن أفعاله.
لقد عاش الشعب فعرف الكفراوي والجويلي والجنزوري وعاطف عبيد وأحمد نظيف ومحمد إبراهيم سليمان، ولكن الشعب ميز بعضهم من بعض؛ لأن للحق نور يسطع فوق أهله. وليقرأ الجميع قوله تعالى: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ(167)) (البقرة).
فيا من تسيرون وراء كل ناعق، وتخضعون لكل صاحب سلطان، تلفون عقولكم، وتبيعون ضمائركم، أترون ما يحدث الآن في الدنيا؟ فكيف بيوم الفصل يوم الحساب.
والآن كأني أسمع الحاج محمد الكحلاوي- رحمه الله- ينشد (يا رب توبة ...توبة...توبة...من بعد عصيان).
- متى يمكن للإنسان أن يفيق من غفلته، ويتوب إلى ربه؟ هذا العناد في الدنيا، إن القاضي قد يدلس عليه محام له لباقة مستغلاً ثغرات القانون، وتنميق العبارة وبساطة الشهود، ولكن هل يمكن لهذا المحامي أو ذاك المتهم أن يقف بشيء من هذا أمام الله (وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً(49)) (الكهف)، فلنتذكر جميعًا (وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً).يا كل عضو مجلس شعب وشورى، تذكر لماذا رشحت نفسك،
- وعلى أي القوانين كنت توافق، وما جنيت لنفسك من وراء ذلك، وكيف كنت تتعامل مع كمال الشاذلي، وأحمد عز، وجمال مبارك، هل أنت راض عن هذا كله؟ وهل أعددت جوابًا للسؤال عن ذالك بين يدي الله؟
- يا كل موظف وزير أو من دونه كم فعلت وفعلت من أجل مبارك وكرسي مبارك وأسرة مبارك، أنت الآن فيما أنت عليه أو قد يأتي عليك الدور بعد قليل، هل راجعت نفسك فيما أقدمت عليه وفيما أخذته لنفسك.
- يا كل ضابط في خراب الدولة (أمن الدولة سابقًا) يا أيها المتغطرس، يا أيها المتكبر، يا أيها المستعلي فوق العباد، يا صاحب التعذيب، وأستاذ الاعتقالات، يا من كنت تتجبر في الأرض، يا من قتلت أناسا أبرياء تحت وحشية التعذيب، يا من تمنع هذا من التعيين وتشطب هذا من الانتخابات، وتنقل هذا من مكانه، وتشرد أسرته، يا أصحاب هتك حرمات البيوت في جوف الليل، يا من كنتم تستغلون مناصبكم.
- يا كل صحفي ومذيع ومقدم برامج ومحاور، يا من روجتم الأكاذيب، وأخفيتم الحقائق، وصفقتم للباطل، وأهنتم أهل الحق، يا من خدعتم الشعب كثيرًا، ومدحتم مخربي الديار، كل ذلك من أجل أموال تعرفون كيف اكتسبتموها، ومنصب ها أنتم قد تركتموها.
- يا كل أمين شرطة وعسكري وأيا كانت رتبتك العسكرية، سل نفسك كم وجهًا ضربت؟، وكم "قفا" وقعت عليه يدك السخيفة، وكم من ألفاظ خرجت من فمك تمس الآباء والأمهات والأعراض.
- يا كل إمام مسجد كنت ترتعد من أمين الشرطة أو المخبر التابع لخراب الدولة "أمن الدولة سابقًا"، فكنت تغلق المسجد، وتمنع الاعتكاف، وتمنع المتحدثين بالحق أن يتكلموا، وأن يظهروا الحقيقة لهذا الشعب الطيب المقهور على أمره...
يا كلَّ هؤلاء وغيرهم...
هل شاهدتم حسني مبارك في قفص الاتهام؟ هل رأيتم علاء وجمال في قفص الاتهام؟ هل رأيتم حبيب العادلي واللواءات في قفص الاتهام؟
إن الله يمهل ولا يهمل
هل لنا أن نتعظ؟
وأول الطريق التفكر المجرد بوقوف النفس أمام الحقيقة، والاعتراف بما صدر منها، والندم على ما حدث، ورد الحقوق إلى أهلها، وطلب العفو منهم والعزم على عدم العودة
لعل الله أن يقبل ويعفو ويغفر.
---------------
* عضو مجلس الشورى العام لجماعة الإخوان المسلمين