كان يوم 3 أغسطس بلا شك يومًا مشهودًا في مصر، يومًا لن تنساه  ذاكرة المصريين جميعًا.

 

من كان يصدق يوم 23 يناير 2011 يوم أن وقف مبارك والعادلي في ذات قاعة المحاكمة محتفليْن بكل كبر وغرور بعيد الشرطة، وأخذ العادلي يشيد بإنجازات الظلم والقبض على شاب أصم ادَّعى زورًا وظلمًا أنه من كان وراء الحادث، ويومها تحدث فرعون بخيلاء بعد هامان، وكنت أتمنى من التلفزيون المصري أن يعيد تلك المشاهد مع مشهد المحاكمة في ذات القاعة مع قول الحق تبارك وتعالى: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (آل عمران: 26) لقد أراد الله أن يُذله ويُذيقه بعض ما أذاقه خيرة شباب مصر، من ذل قفص الاتهام وذل السجن وهوانه، فسجن الله!! ها هما أعز ما لديه، ولداه، أمام عينيه ليتجرع من الذل جرعات.

 

كم من أب وأم تجرعوا مهانة ذل أبنائهم في السجون ولم يرحمهم الفرعون الطاغية، بل كان قاسيًا أقسى من الحجارة!.

 

فقد اعتقل أخ ابن لإحدى قريبات مبارك، فلما ذهبت إليه تطلب الإفراج عن ابنها قال لها: كم لديك من الأولاد؟ قالت: أربعة، قال لها: اعتبريهم ثلاثة!!.. أعوذ بالله من القسوة وصدق الرسول الكريم من "لا يَرحم لا يُرحم".

 

والفرعون مبارك لم يرحم أحدًا من المسلمين، بل كان يعتبر كل مسلم عدوًا له ينبغي قتله أو سجنه أو إذلاله، ودارت الأيام واستجاب الله لدعاء المظلومين.

 

ويوم 3 أغسطس أراد الطاغية ألا يدخل قاعة المحاكمة ماشيًا؛ كي لا يقف لأحد وليؤكد للعالم كله أنه ما زال فرعون، ثم لإظهار تمارضه لينال عطف المغفَّلين.

 

ولكنه لم يحقق ما يريد، وتحقق ما أراد الله من ذلٍّ لا مثيل له، فقد جمعه الله في قفص واحد هو وولديه وهامان السفاح العادلي؛ الذي جثم على صدر وزارة الداخلية أطول فترة لوزير داخلية 14 عامًا كلها ظلم وجبروت وطغيان.

 

ولم يترك العادلي طريقًا للظلم إلا ومشى فيه، حتى ظلم كثيرًا من ضباط الشرطة الذين يعملون معه.

 

لم تطرف للسفاح العادلي عين من رحمة للقتل والتعذيب في السجون، بل كان يأمر بترقية القتلة والمجرمين، وقد جمعه الله والمخلصين المتفانين في الظلم من عصابته في قفص واحد، فجمعه الله بذئبه المفترس حسن عبد الرحمن، رئيس مباحث أمن الدولة؛ الذي كان لا يرحم، ولا يترك أحدًا يرحم، وإسماعيل الشاعر؛ الذي كان يتشوَّق لكرسي الوزارة، وينافس العادلي في نفاق الفرعون ومجاملته، فجمعه الله بفرعون وهامان، ومهما حاول المحامون أن يفتحوا لهم ثغرات للهروب من حكم شديد فقد حكم الله عليهم من فوق سبع سموات بالذل والعار، وسبحان الله الملك الحكم العدل.

 

إن ما حدث من أحداث الثورة مع مبارك والعادلي ووزارة الداخلية في ثورة 25 يناير وحبسهم ومحاكمتهم يجعلني أقف أمام قول الحق تبارك: (إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8)) (القصص)؛ فقد جمع الله فرعون مع وزيره والجنود فى آية واحدة وحكم واحد؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وأن عبودية الأوامر هي لله فقط.

 

أما لغير الله تحت طاعة الأوامر للظلم والتعذيب والقتل والتزوير وتشريد الناس فكله ظلم وخطأ، وكلهم يستحقون العقاب.

 

لكن تبقى وقفات مهمة مع قصة فرعون؛ أنه إذا كان لفرعون موسى وكان لمبارك الحركة الإسلامية وثورة الشعب فيبقى السؤال: هل تتحقق بقية الآيات في قوله تعالى: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ) (القصص: 5، 6).

 

إن الإسلاميين أكثر الناس تعرضًا للظلم والاستضعاف، لكن هل تتوفر فيهم الآن شروط التمكين والإمامة أي الحكم؟ السؤال صعب وإجابته صعبة، فقد كان الفرعون مبارك والعادلي يحاربان من أجل منع وصول مسلم يخشى الله للحكم، وكان الغرب الصليبي يدعمهما، وكانا يحذران ويخافان من ذلك.

 

فهل آن أوان تحقيق تلك الآيات ويتمكن مسلم يخاف الله من حكم مصر وتحكم مصر بشرع الله؟ أم ما زال الوقت طويلاً أمام الحركة الإسلامية للتمكين والإمامة؟ أم هل يتحقق التمكين الجزئي على قدر الجهد كما حدث في بعض البلاد؟ وهو أشد أنواع التمكين بلاء.

 

أعتقد أن التمكين الجزئي هو الوارد وهو المشاركة في الحكم أو الحكم بقيود في ظل عدم وجود مقومات كثيرة، منها الأرضية الشعبية الإيمانية القوية التي تبسط للتمكين كل مكان، ولكنها مرحلة بإذن الله للتمكين التام لشرع الرحمن، وتحتاج إلى جهد وتضحيات لا نظير لها، فلا تمكين بالشعارات والهتافات، بل التمكين في قوله تعالى: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ (5)) (القصص) لمن يسطِّرون بالإيمان ملاحم من التضحيات.

 

وأخيرًا.. لقد أصبح دخول الفرعون مبارك وولديه المتفرعنين قفص الاتهام ومعهم السفاح العادلي وعصابته من كبار المجرمين في الداخلية آية سجد لها كل مؤمن بجسده وقلبه ولسانه، قائلاً: سبحان الله الملك الواحد الأحد.. (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ (13)) (آل عمران).

---------

* Elsharia5@hotmai.com