أولاً كل عام ومصر والمصريون وكل العرب والمسلمين بخير، في نسمات أول شهر رمضاني يمرُّ على مصر بعد ثورة 25 يناير! لعله يمنحنا القوة والقدرة على الصمود والمثابرة حتى تتحقق كل أهداف الثورة العظيمة في جوٍّ من الوحدة والترابط بين كل المصريين.

 

أحيانًا لا يمكن تعميم الأحكام نظرًا لوجود استثناءات، ولكن دائمًا القلة الصالحة تدفع ثمن الكثرة الفاسدة، فالحسنة تخص والسيئة تعم، وهذا ينطبق على القيادات الجامعية التي تم تعيينها في ظلِّ الفساد الإداري الذي استشرى قبل ثورة 25 يناير، بل كانت معايير التعيين والترقي تخضع للأهواء والتحريات والمصلحة الشخصية ففسدت الإدارة وتدهور التعليم وتخلَّف البحث العلمي؛ لأنه تم إقصاء الأصلح والأعلم والأنفع! لذا لا نتعجب من ردود أفعال قيادات جامعية كانت ترى أنها الأحق بالبقاء، وأن الثورة تخطئ عندما تعمم في قراراتها فتصيب مَن يستحق ومَن لا يستحق! لكن جاءتني مذكرة من أساتذة إحدى الجامعات الحديثة تعجبتُ لها أسردها عليكم، راجيًا من الله تبارك وتعالى ألا تفسد صيامكم وقد حرصتُ اليوم عدم ذكر أسماء لعله يمكن إعادة الأمور إلى نصابها قبل التغييرات المرتقبة وحتى لا يضع أحد نفسه تحت طائلة المحاسبة، خاصةً أن ما أذكره صدر به قرار مجلس الجامعة رقم 73 لسنة 2011 بشأن منح جوائز الجامعة لعام 2011م ففي المادة الأولى منحت جوائز ودروع الجامعة على النحو التالي:

 

أولا:ً جائزة الريادة الفكرية والإدارية والتطويرية للسيد الأستاذ الدكتور ....... القائم بعمل رئيس الجامعة وقيمتها 40000 جنيه مصري فقط أربعون ألفًا ودرع (ملحوظة: يرسلها الأساتذة.. هذه الجائزة غير موجودة في أي جامعة أخرى واستحدثت لتعطى وتوهب لرئيس الجامعة حتى لو تم استحداثها فهي لا تُمنح لمَن قام باستحداثها وهو عضو في لجنة منح الجوائز!!).

 

ثانيًا: جائزة الجامعة التقديرية للسيد الأستاذ الدكتور ........ القائم بعمل نائب رئيس الجامعة للدراسات العليا والبحوث وقيمتها خمسة وعشرون ألف جنيه مصري ودرع باسم الجامعة (ملحوظة: الدكتور هو رئيس لجنة منح الجوائز فكيف خصص لنفسه ثاني أعلى الجوائز فأي معايير وأي إنجاز علمي في جامعة وليدة هي أحوج لكل مليم لإنجاز تأسيسها؟!)

 

ثالثًا: جائزة الجامعة للتميز العلمي للسيد الأستاذ الدكتور........ وكيل كلية الزراعة لشئون خدمة المجتمع وتنمية البيئة وقيمتها خمسة عشر ألف جنيه مصري ودرع (ملحوظة: تم ذلك لنشره أبحاثًا علمية بمجلات دولية، لكن هناك من لديه 6 براءات اختراع في ذات الكلية، لكن الأساتذة يذكرون أمرًا آخر كان السبب في ترقيته وكيلاً ثم منحه الجائزة وهو بعد يحتاج لتحقيق ولن أذكره هنا!).

 

رابعًا: جائزة الجامعة للتشجيع العلمي (وهي جائزة من المفروض كما ذكرتْ مذكرة الأساتذة أنها توهب لمدرس أو أستاذ مساعد مبدع في دراساته وأبحاثه على مستوى كل كلية، فتم إلغاؤها على مستوى الكليات، واختصت بها كلية الطب البيطري ومنحت لزوجة وكيل الكلية) السيدة الدكتورة ........... القائم بعمل رئيس قسم الميكروبيولوجي بكلية الطب البيطري وقيمتها عشرة آلاف جنيه مصري!

 

خامسًا: درع الجامعة للعطاء المتميز (ناشفة من غير فلوس) لرئيس الجامعة السابق ورئيس الجامعة الحالي.

 

سادسًا: درع الجامعة للتميز الإداري أيضًا تم منحها للقائم بعمل رئيس الجامعة ونائبه الذي هو رئيس اللجنة!

 

سابعًا: شهادة تقدير وميدالية الجامعة التذكارية لمن بلغ السن القانونية من الأساتذة ومنهم القائم بعمل رئيس الجامعة لثالث مرة في قرار واحد ثم توقيع القائم بعمل رئيس الجامعة!!!

 

هل يمكن أن نبرر هذا التكريم الذاتي لإحساس عام بعدم الوفاء وكثرة الحديث عن إقالة القيادات الجامعية كأنهم مذنبون مطرودون من جنة الجامعات دون تكريم أو كلمة شكر فاستبقوها وهم في الخدمة؟! جائز لكن هذا يحط أكثر من قيمتهم الحقيقية، وأكيد أن فيهم من هو أهل لذلك! أما مذكرة الأساتذة فتذهب إلى مدى أبعد حيث تشير إلى فساد هذه القيادات بذكر وقائع أخرى تخص القائم بعمل رئيس الجامعة، منها حصوله على مكافأة الشفوي للفصل الدراسي الثاني على مستوى الجامعة بقيمة 26 ألف جنيه، وطبعًا ممكن أن تكون هذه لوائح في الجامعة مما يفسر عدم رغبة البعض في ترك منصبه! لكن هناك مكافآت أخرى له بدون لوائح مالية مثل المحاضرات في التخطيط الإستراتيجي لكليات الجامعة، وتم صرف مبالغ مكافأة من كل كلية فقط تم حصر ثلاث كليات بمبلغ 4400 جنيه!!!

 

الحقيقة مع احترامنا الكامل لكل مَن يبذل ويملك القدرة العلمية إلا أن الرغبة الدائمة في التكريم وصدارة المشهد والتحكم في خلق الله ماليًّا وإداريًّا هو مما يستلزم منا الوقوف في وجهه؛ لأن ضحايا هؤلاء كثر، ولا يملكون إزاء سطوة المنصب أية فرصة للشكوى أو الصراخ، ولعل ما نكتبه هنا هو أحد المنافذ القليلة لحالة الاحتقان التي تسود قطاع الجامعات المصرية، ولعل ذلك أيضًا يجعلنا نفكر في فصل الجانب العلمي عن الجانب الإداري في الجامعات المصرية، في محاولةٍ لحفظ كرامة العلماء وانشغالهم في البحث العلمي على أن تتولى الإدارة كفاءات إدارية تحت إشراف مجلس أمناء من الأساتذة أو بأي شكلٍ آخر يحفظ للعلماء قيمتهم العلمية أمام تصرفات إدارية متعسفة أو مالية مشبوهة ونأمل في مستقبل أكرم للتعليم والبحث العلمي في مصر.

-------------

* أستاذ جامعي ونائب سابق وقيادي بحزب الحرية والعدالة.