"إن لربكم في أيام دهركم لنفحات.. ألا فتعرضوا لها"
حين تهب علينا نفحات رمضان تتهذب النفوس فتصفو، وترق القلوب فتطهر، ويخشع المرء فيسمو.. ويتأمل العقل في ملكوت الخالق العظيم.. فتتزاحم فيه الخواطر.. وتطفو.
التخلية قبل التحلية
هي قاعدة ذهبية في تهذيب النفس وتطهير القلب.
إذا ما أردت أن تملأ إناءً بماء زلال عذب.. عليك أن تفرغه أولاً من الماء الفاسد.. وإلا.. اختلط العذب بالفاسد ففسد الكل.
كذا القلب.. مملوء بالذنوب والآثام.. تراكمت عليه طوال العام حتى كادت أن تهلكه..
فإذا بنفحة من الله تهب عليه في موسم من مواسم الخير.. فإن أردت أن تملأ قلبك بالإيمان والتقوى، فأقبلت على الصيام بهمة عالية، ونهلت من القرآن بعزيمة بادية، وغالبت القيام بصبر وجلد.. فلن تجد أثر ذلك كله ما لم تنق قلبك من أدرانه.. بالتوبة النصوح.
إنها جلسة بينك وبين ربك.. تتوب فيها وتستغفر، وتعاهد الله على عدم العودة، وتندم على ذنبك فتدمع عينك ويرق قلبك.. فإذا بقلبك كالإناء النظيف يؤتي فيه الصيام والقيام والقرآن أكله.
ألم أقل لكم.. التخلية قبل التحلية؟!.
الذنوب المستعصية .. المزمنة
هي تمامًا كالأمراض المستعصية المزمنة.. تلازم المريض لمدة طويلة حتى لا يستطيع الفكاك منها، وتفشل معها وسائل العلاج المعتادة، ويحتار الأطباء في التعامل معها، بل ويعرف عنها المريض أكثر مما يعرف الطبيب؛ فيتعايش معها غير أنه لا يملك التخلص منها.
هذا النوع من الذنوب هو الأشد فتكًا بالعبد، وإن بدت تافهة لا يلتفت إليها.. فنادرًا ما يتوب منها العبد ويقلع، وحتى إن فعل فغالبًا ما يعود إليها.. فينتكس.
أما أصحاب الأمراض المستعصية المزمنة فيذهب بعضهم إلى "مصحة" للاستشفاء، يبقى فيها عدة أسابيع، يأكل من غذائها الصحي، ويستنشق هواءها العليل، ويشرب من مائها الزلال، ويستحم في عيونها الطبيعية المعدنية.. فما يخرج إلا وهو سليم معافى.
وها قد جعل الله لنا في شهرنا هذا "مصحة" لأصحاب الذنوب المستعصية المزمنة.. يتريض القلب بين أشجارها، فيغسل الصيام أدرانه، ويزيل القيام آثامه، ويصقل القرآن والذكر صفحته فإذا هي بيضاء لامعة.. لا أثر فيها لذنب.. حتى تلك الذنوب المستعصية المزمنة.
ألم تسمعوا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صام رمضان إيماناً واحتساباً.. غفر له ما تقدم من ذنبه"، "من قام رمضان إيماناً واحتساباً.. غفر له ما تقدم من ذنبه"، "رغم أنف من أدرك رمضان ولم يُغفر له"؟
الدقائق الغالية
يبدو الخلق أحيانًا بلهاء.. نعم.. أعني هذه الكلمة بالضبط "بلهاء"..
وإلا كيف ترى قومًا نصب لهم ربهم سوقًا للمغفرة والرحمة والعتق من النار، فانصرفوا عنه- إلا قليلاً- ناصبين هم لأنفسهم سوقًا للهو واللعب والتراخي والمعصية؟!.
ليت شعري لو ندرك قيمة دقائق رمضان الغالية ماذا كنا نصنع بها؟
"من تقرب فيه بخصلة من الخير.. كان كمن أدى فريضة فيما سواه.. ومن أدى فريضة فيه.. كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، فيه ليلة هي خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم".
ألم أقل لكم إنه سوق للمغفرة والرحمة والعتق من النيران.. سوق وربي وأي سوق.
فإذا ما انصرف العباد عن سوق ربهم إلى أسواق الخلق، وقضوا وقتهم بين الطعام والشراب والنوم، وأمضوا لياليهم بين المسلسلات والأفلام والسهرات.. فماذا نقول عنهم غير "بلهاء"؟!.
وصدق من قال: "كفى بالعاصي خسرانًا ما فوته من زمن لو صرفه في الطاعة.. لفاز"
هلَّا عاهدنا ربنا من الآن أن لا نضيع دقيقة واحدة من رمضان في غير طاعة.. العقلاء لا شك فاعلون.. والبلهاء يمتنعون.
صقالة القلوب
تمامًا كقطعة حديد صدأة يبدو القلب من تراكم الذنوب عليه طوال العام.. فإذا جاء رمضان واتتنا الفرصة الذهبية لصقالته والعودة به إلى أصله اللامع الجميل.
"إن القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد".. قالوا: وما جلاؤها يا رسول الله؟.. قال: "ذكر الله".
إن كنت تريد لقلبك- إذن- أن يظل لامعًا جميلاً كأنه المرآة.. فلا تفتر عن ذكر ربك.
ولأن شياطين الجن تلهي العباد عن ربهم، وتصرفهم عن ذكره، فإن رمضان فرصة سانحة لنتدرب على دوام الذكر، ذلك أن الله تعالى يكفينا شياطين الجن.. فيقيدها.
غير أن شياطين الإنس تجد مرتعًا في عقول العباد وقلوبهم دونما قيود، فتأخذ على عاتقها مهمة الشياطين الماردة المقيدة.. وأراها تقوم بها كأحسن ما يكون القيام.
احذروا شياطين الإنس اللاهية الملهية، الضالة المضلة، التي تطلع علينا من شاشات التليفزيون والسينما، ومجالس اللهو واللعب، واجتماعات الغيبة والنميمة.. وغيرها.
"لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله عزَّ وجلَّ"، "خير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله" "إن بكل تسبيحة صدقة.. وبكل تحميدة صدقة.. وبكل تكبيرة صدقة.. وبكل تهليلة صدقة"، "والحمد لله تملأ الميزان.. وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض"
هل تريد السبق والفوز؟، كن مع الفائزين "المفرِّدُون". "سيروا.. سبق المفرِّدُون".. قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟.. قال: "الذاكرون الله كثيرًا.. والذاكرات".
مأدُبةُ اللَّهِ
أعدَّ له الملك مأدبة تليق بعظمته وكبريائه، أعدَّها رحمة به ورغبة في إكرامه، وحببها إليه فوعده أن يجازيه إن أجابه إلى مأدبته جنة عرضها السماوات والأرض.
لكن المغرور أعرض عن مأدبة الملك، وصدَّ عنها بعناده، وأقبل على موائد الخلق ينهش منها وضيع الطعام وتوافه الشراب.. وهو يعلم أنه إلى خسران لا محالة.
"القرآن مأدبة الله.. فاقبلوا مأدبته"
ما أكرمها من مأدبة، وما أرحمه من ملك.. وما أعظم جزاء من قبِل مأدبة مولاه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57)) (يونس).
ولأن رمضان والقرآن صنوان فقد نصب الله مأدبته كأحسن ما تكون في شهر رمضان ... أنزل فيه قرآنه من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم ابتدأ إنزاله على قلب حبيبه في ليلة هي خير من ألف شهر ... ثم دعانا لنقبل على كتابه في شهر القرآن.
إنه كتاب الله تبارك وتعالى: "فيه نبأ مَنْ قبلكم، وخبر من بعدكم، وحكم ما بينكم.. هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله.."
هو حبل الله المتين، ونوره المبين والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم... وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يملّه الأتقياء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه.. وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا: (إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً) (الجن: من الآية 1) ...
من علِم علمه سبق، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم.
فهل نقبل مأدبة ربنا.. في شهر القرآن؟
-----------------