الأقوال التي تتردد منذ فترة عن الأموال الأمريكية والأوروبية التي تم تقديمها بعد الثورة إلى هيئات أو مؤسسات أو جمعيات أهلية أو ناشطين أفراد، والتي تجاوز المعلن منها المائة مليون دولار؛ أي أكثر من ستمائة مليون جنيه مصري، تحت دعاوى المساعدة في نشر الديمقراطية؛ ينبغي مواجهتها بقدر أكبر من الشفافية والحوار والنقاش الهادئ، ولا يجوز بعد "ثورة التحرير" أن يتهامس البعض في شأن عام، أو أن تنطلق الاتهامات دون بينة، بل يجب إيضاح الحقائق وتقديم الأدلة.
والمطلوب الآن من السادة قادة المجلس العسكري الحاكم، ومن حكومة الدكتور عصام شرف، ومن الجهات الرقابية المسئولة في مصر، وكل من يملك الدليل الواضح- أيًّا كانت صفته- أن يبادر بالإعلان عن المعلومات الدقيقة حول هذا الموضوع، وأن يكشف عن الجهة أو المنظمة أو الأشخاص الذين تقاضوا أموالاً من الخارج بعد الثورة تحت دعاوى مختلفة، وحجم هذه الأموال وفيم أنفقت، حتى يعلم الشعب حقيقة ما يجري، ويشارك في النقاش والحوار، حتى يحدد موقفه.
والسؤال الذي يتبادر إلى أذهان الكثيرين هو: لماذا تدفع الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا الغربية ملايين الدولارات للآلاف من النشطاء السياسيين في بلادنا؟ هل هي بالفعل تعمل من أجل نشر الديمقراطية في المنطقة، وزيادة الوعي السياسي بأهمية الحرية وتداول السلطة؟ إذن من كان الداعم الأكبر لاستمرار الأنظمة في أكثر البلدان استبدادًا وفسادًا في العالم؟ ومن ظل يدعم الدكتاتوريات في بلادنا، وحال دون تقدمنا في مجال الحريات لعقود طويلة؟!
أنا لا أعتقد أبدًا أن المال المدفوع من الخارج ينفق لوجه الله أو الوطن أو الإنسانية، ولا يمكن أن أصدق تلك الدعاوى الساذجة التي تتحدث عن الرغبة الأمريكية والأوروبية في نشر ثقافة الديمقراطية والحريات السياسية في بلادنا، بل هي أموال محسوبة ومرصودة لتحقيق أهداف سياسية وثقافية معينة، تهمُّ أولاً وأخيرًا الجهة أو الدولة التي توفرها، وهي أهداف بكل تأكيد ليست في صالح بلادنا وأمننا القومي.. إنها لغة المصالح التي لا يفهم الغرب غيرها، والتاريخ خير شاهد.
أنا لا أجد صعوبةً في فهم موقف الولايات المتحدة والغرب عمومًا من قضايا المنطقة العربية، وخصوصًا من حالة "الثورة" التي انطلقت الآن في بلادنا، وأُدرك بوضوح أن أمريكا كانت تتمنَّى استمرار النظام المستبد الفاسد، الذي سقط أمام "ثورة الشعب المصري" في أيام معدودة؛ لأنه كان يحقق لها الكثير من أهدافها ومصالحها، خصوصًا ما يتعلق بالملف الفلسطيني، لكنها فوجئت بهذه الثورة التي أربكت حساباتها، وبالتالي تحاول التدخل في مسارها، من خلال استخدام المال.
لكني أجد صعوبةً في فهم وقبول واستيعاب كيف أن مواطنًا مصريًّا حرًّا شريفًا، أكل من خير هذا البلد، وشرب من نيله؛ يدرك حقيقة هذه الأهداف الغربية، التي تسعى لاستمرار السيطرة على بلادنا، ومصادرة حقنا في امتلاك حريتنا وإرادتنا وكرامتنا، ولا يخفى عليه أيضًا أن تلك المصالح الغربية تتعارض مع المصالح الوطنية، ثم يقبل أن يمدَّ يده، وأن يكون مطيةً لتنفيذ أهداف ومصالح، من كان سببًا في معاناة وطنه وأمته!.
ولا شك في أن استخدام المال للتأثير في العمل السياسي، يثير الكثير من الشك والريبة، ويفتح الباب واسعًا أمام فساد القصد وسوء الهدف، وإذا كانت الدعوة إلى تقييد استخدام المال (الوطني) في الانتخابات المقبلة، سواء التشريعية أو الرئاسية، مقبولةً بل ومطلوبةً وملحَّةً، فمن الطبيعي أن تكون حساسيتنا ورفضنا وقلقنا من دخول المال (الأجنبي) للتأثير في العملية السياسية أشد.
----------------
* Badrm2003@yahoo.com