مع الإقرار بالدور الغربي في إشعال الثورة الإيرانية كجزءٍ معروف من لعبة التوازن الدولي الذي دأب عليها الغرب منذ الحرب الباردة، إلا أن الغرب عاد ليثير المخاوف من هذه الثورة بعد أن فشل في احتوائها وترويضها وتمردها عليه لصالح شعبها الذي أشعلها وحماها.

 

فقد سعى الغرب إلى استخدام آلية إثارة "الآيات" عند إدراكه لنمو دور الأحزاب الشيوعية، ولم يكن يملك ورقة أخرى نظرًا لموقع إيران جغرافيًّا في جنوب الاتحاد السوفييتي، كما لم يكن ليقف مكتوفًا أمام اقتراب نفوذ السوفييت من خلال هذه الأحزاب تجاه موطن النفط الخليجي الذي يمثل مصالحه الكبرى أو الخط الأحمر لمصالحه، فساعد آية الله كاشاني بعد ثورة رشيد عالي الكيلاني وحكومة مصدق.

 

وغالبًا ما يسوق الغرب في مثل هذه الظروف أدبياته للعالم الإسلامي عن ضرورة محاربة الشيوعية وأن على المسلمين المشاركة في ذلك بحكم اشتراكهم بأنهم أهل ديانات سماوية وعليهم التعاون في وجه الإلحاد، لكن هذه الأدبيات تحكمها المصالح لا المبادئ فالغرب لا يعرف إلا هذه اللغة.

 

ومن هذا البعد أيضًا كان موقف الغرب من مراحل الإعداد لثورة آية الله الخميني فحماه في النجف ثم ساعده في باريس وروّج لفكره وساهم في نشر مؤلفاته وتوزيعها داخل إيران، وساعد على الثورة ضد الشاه الذي كان يمثل شرطي المنطقة للمصالح الغربية، لكن الغرب رأى أن نظامه قد ترهل ولم يعد قادرًا على حماية هذه المصالح.

 

وفاجأت إيران بثوارها وزعيمها الخميني الغرب بعدم تقبلهم لاستمرار سياسة الشرطي وقبول الاحتواء والتبعية، ونجح الخميني في استخدام الغرب أكثر من استخدام الغرب له، وقاد إيران إلى لعب دور سياسي يماثل أسلوب الغرب، ثم تبنى فكرة تصدير الثورة إلى جيرانه المسلمين في منطقة الخليج التي تمثل مركز المصالح للغرب مما أثار فزعًا في الغرب تجاه هذه السياسة.

 

وسارع الغرب بزعامة أمريكا باتباع سياسة إجهاض الثورة حتى تعيد إيران لسابق دورها وتكون عبرة لمن حولها ممن هزهم رنينها أو ضجيجها، فدفع بصدام حسين للدخول في حرب سانده العرب خلالها وبخاصة من يدور في فلك السياسة الغربية، وسارعت أمريكا وإسرائيل لتسريب صفقات السلاح لكلا الطرفين حتى ينهك كل منهما الآخر ويصبح الميدان فارغًا ليملأه الأمريكيون وإسرائيل في ظل الضعف العربي.

 

وجاء حادث الحادي عشر من سبتمبر 2011 الذي تلا سقوط الاتحاد السوفييتي، ليشكل مبررًا سيظل الشك يحيطه ليبدأ الأمريكيون تنفيذ سياسة الهيمنة على العالم بعد انفرادهم بالقطبية، فيندفع الأمريكيون لاحتلال أفغانستان ثم العراق وليحيطوا بإيران؛ أملاً في استكمال إطباق الخناق على ما تبقى من ثورتها لتعيدها سيرتها الأولى.

 

وتبنت أمريكا في نفس الوقت سياسة التسويق للنموذج العلماني التركي في المنطقة العربية سعيًا لسحب البساط من تحت أقدام زعماء إيران الذين برزوا في ميدان التصدي للأمريكيين والكيان العنصري اليهودي والغرب برمته.

 

كما حاولت أمريكا وحلفاؤها في نفس الوقت إغراق حلفاء إيران كحزب الله اللبناني وسوريا في قضايا محلية سعيًا لتفكيك هذا الحلف وتقليم دور إيران ومحاصرة فكرة تصدير الثورة.

 

وكان من بين المساعي الأمريكية أن تترك المجال الذي كانت قد سعت لتضييقه للمؤسسة الدينية السلفية السعودية وامتدادها الخليجي لمهاجمة إيران والمحور الشيعي مذهبًا وسياسة، والتنقيب في مواطن الخلاف المذهبي وإظهار مدى خطورة النمو الشيعي على العالم الإسلامي السني. وتغاضى الأمريكيون وحلفاؤهم عن اتهام هذه المؤسسة قبل فترة وجيزة بالانغلاق وتفريخ كوادر الإرهاب التي قامت بحادث سبتمبر وبإمداد تنظيم القاعدة بالكوادر الداعمة، وأغلقت الكثير من جمعياتها الخيرية ذات البعد الاجتماعي أو الدعوي.

 

كما حاولت اللعب على إثارة سياسة المحور الشيعي الذي يستوجب المشاركة في الكماشة السنية، وأنها بهذا تساعد حلفاءها من المسلمين أمام خطر تصدير الثورة الإيرانية في مسعى لدفع الجانبين إلى حرب شبيهة بالحرب العراقية الإيرانية لصالح هذا المخطط الشيطاني الغربي الذي يحقق مصالحه المعادية بفاتورة إسلامية من كل الوجوه، أو أن يتولى الغرب إدارة هذا الصدام من بلادهم ويتولى المسلمون دفع الفاتورة.

 

وكانت هذه السياسة كفيلة بدفع الساسة الإيرانيين للإعلان عن وقف فكرة تصدير الثورة وطمأنة جيرانها المسلمين السنة، وبخاصة في الخليج الذين سيطرت عليهم ثقافة الحيرة بين رفض الأغلبية من شعوبهم للصدام مع إخوانهم المسلمين مهما كان الخلاف المذهبي، كما أن بعضهم قد اتخذ سياسة التقارب مع الكيان العنصري الصهيوني الذي سلبهم جزءًا مهمًّا من أراضيهم والذي يشكل تهديدًا مستمرًّا لهم، وبين الضغوط الأمريكية الغربية التي تصل إلى حد تهديد هذه الأنظمة بالسعي لتفتيت دولهم وتقسيمها إلى دويلات، كما كان من شأن الدور الأمريكي مع غيرهم من الشعوب الإسلامية في سنغافورة أو تيمور الشرقية أو العراق وغيرها.

 

ومع قيام الثورات العربية في تونس ومصر والتي كان العداء لإيران والتحالف مع أمريكا والصهاينة من قبل أنظمتها السابقة من بين دوافعها، عاد بعض ساسة إيران ليذكر بأن جانبًا من هذه الثورات قد تأثر بالثورة الإيرانية، لكنه في نفس الوقت قد نفى فكرة التصدير واكتفى بفكرة التأثر فقط.

 

ومع توقف فكرة التصدير للثورة الإيرانية ظاهريًّا إلا أن سياسة التحدي للغرب والسعي لامتلاك التكنولوجيا النووية يعتبر جانبًا من التصدير الذي يتعدى التأثير، والإعلان الأخير عن امتلاك إيران لصواريخ بعيدة المدى يصعب اكتشافها بالأقمار الصناعية تطال أوربا وتل أبيب يمثل استمرارًا لفكرة التصدير، فضلاً عن أسلوب حرب الصواريخ والأنفاق التي قلبت موازين التفوق الجوي التي اتبعها حزب الله فهي تمثل امتدادًا لفكرة التصدير المستفز للضعف العربي.

 

وإذا كانت فكرة التقارب مع إيران قد أعطت زخمًا شعبيًّا لثوار مصر ولوزير خارجيتها الدكتور نبيل العربي فإن ذلك يؤكد تقبل التلاقي العربي الإيراني حول مفهوم الثورة ونجاح فكرة التصدير لوحدة التوجه الرافض لمخططات الغرب ودوره في المنطقة.

 

ولعل ذلك يمثل قلقًا أمريكيًّا غربيًّا صهيونيًّا تجاه هذا المنحى للثورات العربية مما يدفعها لتوجيه الكوادر الليبرالية العربية لمحاولة إظهار خطورة هذه السياسة من جهة والسعي لامتطاء الركب الثوري والسيطرة على دفة الأمور من جهة أخرى فتمكنهم من السيطرة على مواطن صنع القرار الذي يمثل الضمانة الكبرى لسياسة أمريكا في المنطقة.

 

ومن بين شواهد هذا التوجه أنني التقيت بوفد ثقافي عراقي من أربعة كوادر جاء إلي مصر ليلتقي ببعض أصحاب التوجه الإسلامي للدعوة إلى مؤتمرات من شأنها التوعية بخطورة دور إيران في المنطقة، وسارعت دون انتظار الإذن بالحديث إلى أعضاء الوفد لإبلاغهم أن تبعيتهم للدور الأمريكي أو التلاقي معه لا تخفى على أحد، وأن عليهم السعي للتخلص من الاستعمار الأمريكي ومن سيطرة النفوذ والوجود الصهيوني في أربيل والسليمانية، وأن الدور الإيراني لا ينذر بخطر كما هو شأن الأمريكيين والصهاينة، فالتاريخ لا يرصد صدامًا حربيًّا مذهبيًّا بين السنة والشيعة في حين يرصد العديد من الحروب الإجرامية مع الكيان الصهيوني رغم حداثة عهده التاريخي.

 

وأنهيت حديثي بأنه إذا كانت فكرة التوحد بين المسلمين سياسيًّا من الأمور الصعبة أو ربما المستحيلة على المدى المنظور فإن فكرة التقارب أو التقريب بين المصالح أو حتى عدم التصادم على الأقل وعدم الرضوخ لتوجيهات الغرب المعادية هي السياسة الواجب اتباعها الآن، وأن فكرة تصدير الثورات لا ينبغي أن تثير المخاوف، فالشعوب تختار وفق ظروفها ما يدعوها لكي تثور من أجله، وأن مقاومة الغرب بسياسته المعادية لكل العالم الإسلامي ينبغي أن تكون القاسم المشترك بين جموع الثوار سواء في العالم الإسلامي أوالعالم أجمع. 

----------

* مؤرخ مصري