على مدى أكثر من ثمانين عامًا، كانت جماعة الإخوان المسلمين على الساحة وفي حياة الناس، وكان تَخَلّف القليل عن السير في ركابها، فلماذا كان هذا التخلف؟ خاصة أنه كان أحيانًا من شخصيات كبيرة ورجالات على مستوى عالٍ من المسئولية.

 

للوهلة الأولى قد يبرز عامل المشاق والمتاعب والابتلاءات الذي من شأنه أن يصيب البعض بالضعف وفقدان القدرة على المضي في الطريق، وفي أغلب الأحيان لا يُسبب هذا النوع أية مشاكل للجماعة، إذ يظل الأخ على عهده وبيعته وحبه للجماعة ولإخوانه، ولكن المشكلة تكمن في أصحاب الأسباب الأخرى، ونرى أن أهمها سببان رئيسيان:

 

الأول: يخص أركان البيعة العشرة، وعدم الالتزام العملي بما تقتضيه من حيث إنها تؤخذ حزمة واحدة، ولا يصح ولا يُقبل أن يقتصر التنفيذ العملي لها حتى على تسعة منها، ويبقى واحدٌ فقط غير منفذ، فهذا كفيل بإخراج المرء من دائرة الالتزام، وقد يكون هذا الأخ على تقوى وذا صفات حميدة كبيرة، ولكن كل هذا لا يرفع عن الأخ صفة عدم الالتزام.

 

الثاني: النفس بعقدها وتعقيداتها الكثيرة، وأمراضها العديدة، من حب الظهور، والتطلع إلى الزعامة، والسعي إلى القيادة.. إلخ، إن من الأهمية بمكان على كل أخ وضع قدمه على هذا الطريق أن يقف مع نفسه ليراها واضحة جلية، فهو أول الناس معرفة بها، وإحاطة بما قد تحمله من أمراض أشد فتكًا به، وأخطر عليه من ذنوب وخطايا الإنسان الحسية. ذلك أن أمراض النفس تمس إيمان المرء وإخلاصه وصدقه، وإذا غفل المرء عنها وتركها دون مجاهدة وجد نفسه في مشاكل كثيرة لا تنتهي مع إخوانه.

 

لذلك كان حرص الجماعة على التربية، وفي هذا المجال نقول إنَّ لدينا نمطين من أنماط التربية، لا يمكن الاستغناء بأحدهما عن الآخر، هذان النمطان هما:

 

- التربية الجماعية.- والتربية الفردية.

ومفهومهما أن الأول هو نمط  التربية في جماعة صغرت أو كبرت، والثاني هو نمط التربية للفرد مستقلاً بذاته أو منفردًا مع ربه، وهما جناحا التربية، اللذان نحلق بهما في آفاق التكوين.

 

ما يهمنا في حديثنا الأسلوب الذاتي في التربية، وهو أن يعرف المرء ما ينقصه، فيعمل على استكماله، وما يعيبه فيعمل على التخلص منه ﴿ونَفْسٍ ومَا سَوَّاهَا  فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وتَقْوَاهَا  قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا  وقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ (الشمس:7–10).

 

والتربية الذاتية هي الطريق لإصلاح الذات (حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم﴿كَفَى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ (الإسراء: 14).

 

وما دمتُ قد أعطيت البيعة والتزمت، فإلى نفسي أوجه هذه الأسئلة:

- ماذا يضيرني إذا كان قرار الجماعة في شأن ما مخالفًا لرأيي؟

- وماذا يضيرني إذا قدمت النصيحة وكان للجماعة وجهة نظر أخرى؟

- ثم ماذا يضيرني إذا كنت آخر الصف؟ وفي مكان لا يُؤبه بي فيه؟

 

وهناك الكثير من ماذا هذه.. فهل هذا ينقص من أجري، ويقلل من ثوابي. أقول: لا والله.. بل قد يزيد ويزيد.

 

وأخيرًا.. ماذا أفعل لو اختلفت مع الجماعة، ولم أستطع أن أنتصر على نفسي وأخضعها لمقتضى ما بايعت عليه؟ والإجابة: ألجأ إلى قيوم السماوات والأرض وأستغيث به، وأجاهد نفسي مجاهدة عنيفة حتى يّسْلُس قِيادها لي ويشرح الله صدري، وينقذني من حبائل نفسي، ولا بد من وقفة علم وفهم ومحاسبة جادة حازمة لتعرف نفسي وبال الاختلاف والفرقة ورحمة الائتلاف والاجتماع.

 

أما أن أترك الجماعة، وأسعى إلى إقامة كيان بخلاف الكيان الأم، فهذا هو الخطأ الكبير الذي أُسأل عنه يوم يقوم الناس لرب العالمين.

 

اللهم أخرج حظ الشيطان من نفوسنا، وأخرج حظ نفوسنا من نفوسنا. اللهم ألهمنا الرشد والسداد، والصدق في القول والعمل، واعصمنا من مواطن الخطأ والزلل.