يقولون: إن براقش كانت كلبةً تقوم بحراسة المنازل والحقل خير قيام, كانت تصيح وتنبح وتطارد المارَّة من الغرباء وتكاد تفترس اللصوص والأشقياء ولم يكن أحد يجرؤ على الاقتراب منها أو المرور في طريقها!.
وكان صاحبها قد علَّمها أن تسمع وتطيع أوامره إن أشار إليها بالسبابة سمحت لضيوفه ومعارفه، وإن أشار إليها بالوسطى انطلقت كالصاروخ فلا تعود إلا والفريسة بين يديها ممزقة الأشلاء..
فإذا ما أقبل الليل ناموا وهم آمنون؛ لأن براقش تحميهم وتسهر طول الليل تحرسهم!.
وفي ليلة ظلماء.. هجم الأعداء على بيوت أصحابها ومنازلهم.. فصاحت براقش ونبحت نباحًا متواصلاً.. فاستيقظ قومها وفرُّوا إلى مغارة بالجبل القريب من قريتهم، وجرت براقش معهم وبحث الأعداء عنهم فلم يجدوهم، فأرادوا العودة من حيث أتوا واطمأن أصحابها، وأيقنوا أنهم قد أمنوا شر الأعداء بفضل براقش، لكن براقش راحت تنبح، فأشار إليها أصحابها بالسكوت لكنها لم تفهم الإشارة وراحت تنبح نباحًا متواصلاً, وعاد الأعداء وعرفوا مكانهم وقضوا عليهم.
و كانت براقش هدفا لضربة قاتلة مزقتها شر ممزق, و كانت سببًا في القضاء على قومها.
لقد كانت كمن يضيء الأنوار في وقت الغارة، وهكذا على نفسها جنت براقش.
إذا أردت تلخيص المشهد الآن في مصر فيمكنني أن أربط بينه وبين القصة السابقة؛ فالجميع منذ 25 يناير إلى إعلان نتيجة استفتاء 19 مارس (الخاص بالتعديلات الدستورية وخارطة طريق المرحلة المقبلة) كانوا يعيشون من كلمة (يقولون) حتى كلمة (وفي ليلة ظلماء) في القصة السابقة مع بعض الفروق.
الكل على مختلف انتماءاتهم كانوا يحملون همًّا واحدًا، ويدعون إلى أهداف واضحة بدأت بتغيير.. حرية.. عدالة اجتماعية، ومرت بـ"الشعب يريد إسقاط النظام" و"تطهير البلاد"، وانتهت بـ"الشعب يريد محاكمة السفاح".
وأعلن الجميع وقتها التزامهم الكامل بما ستسفر عنه نتيجة الاستفتاء (ويمكنكم الرجوع إلى تصريحات شباب الثورة وعلمانيي مصر)؛ للتأكد من قولهم هذا، وكان الإسلاميون- وفي القلب منهم الإخوان المسلمون وبعض الأحزاب والقوى السياسية من وجهة نظري- أكثر تعقلاً وانضباطًا والتزامًا بما اتفق عليه الجميع وما اختاره الشعب المصري بقوله "نعم" في الاستفتاء.
وفجأةً بدأ المشهد الأخير من قصة براقش في الظهور؛ فبدأ العلمانيون ومعظم شباب الثورة وبعض القوى السياسية في الصياح والالتفاف ونقض العهد ونكث الوعد والتراجع، فخرجوا علينا تارة ًبتأجيل الانتخابات وأخرى بالمجلس الرئاسي وثالثة بالمبادئ الفوق الدستورية, حتى بلغ بهم المشهد ذروته ووصلوا إلى الاتهام المباشر والاحتكاك الغير اللائق بالمجلس العسكري الذي حمى وما يزال يحمي الثورة.
كل هذا ظنًّا منهم أن الفضائيات المفتوحة والقنوات المسخرة والأموال المغدقة سوف تحقق لهم ما يريدون، وقد تناسوا أن النظام البائد كان يفعل نفس الشيء ويكرر نفس المشهد، وكان بعضهم من أكبر المنتفعين من وراء هذه الممارسات برضى وهوى هذا النظام، بل كان البعض منهم أداة من أدوات النظام في ذلك الوقت.
وفي جمعة 29 يوليو (جمعة الوحدة والشرعية الشعبية) أراد الإسلاميون أن يلفتوا نظر هؤلاء أنهم على العهد والوعد، وبإشارة خفيفة ولطيفة يهمسون في آذانهم ويقولون لهم إننا القوة الشعبية الحقيقية في الشارع والميادين التي تصنع المليونيات وتدافع عن الثورات وتحمي ظهور المعتصمين، وأننا الثمرة الحقيقية والمعبرة عن شعب مصر المسلم المتدين، ومع كل هذه الحقائق كنا وما زلنا وسنظل نمد أيدينا للجميع؛ لنكون معًا صناع الثورة وبناة مصر وأمل المستقبل للمنطقة العربية كلها.
فهل ستتدارك براقش خطأها أم ستكرره؟ وهل سيفهم العلمانيون الرسالة؟ وهل سيستفيق شباب الثورة ويعود الجميع إلى ما كانوا عليه في 25 يناير؟
هذا ما أرجوه، وأسأل ربي جل في علاه أن يتحقق.