شواهد الحال المصري توحي بانقلاب الاتجاهات نحو مسار بناء نظام جديد، فبعد أن توحدت الإرادة من 25 يناير حتى 19 مارس لكل القوى الشعبية، والنخبة السياسية في رسم مسار واضح المعالم نحو بناء نظام جديد؛ تباعدت المسارات بعد الاستفتاء، وما لبثت أن تقاطعت، وتشتَّتت جهود رسم معالم وتضاريس الخريطة السياسية، ودلائل ذلك نرصدها بمنهج القياس على ما تعلمناه من خبرة التفاعل والمعايشة لمجتمعات حوالي أربعين دولةً شددنا الرحال إليها عبر العقود الأربعة الماضية في مهام إنمائية، وبحثية وتعليمية، فترسَّخ في العقل والوجدان أن قاعدة هرم الديمقراطية هي مجالس الأحياء والقرى والمدن المنتخبة؛ فهي الرقيب اللصيق والفعال على ممارسات مؤسسات السلطة التنفيذية تجاه أفراد المجتمعات المحلية.

 

وأضحت المعيار لقياس مدى نجاح الممارسة الديمقراطية في أي نظام سياسي، ويتأتى ذلك من خلال تعميق الصلاحيات الممنوحة لهذه المجالس، ونظرًا لضعف تلك الصلاحيات في ظل النظام السابق فقد كان الناخب المصري يلقي خطأ عبء إصلاح أحوال حياته اليومية البسيطة على كاهل عضو مجلس الشعب، وأصبح اختياره للنائب مبنيًا على قدرة المرشح على حل مشكلة دخول ابن الناخب المدرسة أو توصيل الكهرباء لمنزله.. إلخ، بل شاهدنا كيف كان مضمون تعقيب أغلب النواب عند مناقشة الموازنة العامة، فكان بعيدًا عن مؤشرات عجز التمويل، وتوازن استخدامات الموارد، ويركز فقط على رصف طريق في قرية، أو إنارة بعض الطرق في حي ما، ربما له فيه عصبية، أو تشغيل مخبز، وبالطبع هو في ذلك يعلم أن ناخبيه يعلِّقون آمالهم فيه على تلك المطالب.

 

وقد يضيف البعض إلى ذلك أسبابًا أخرى لابتعاد النائب عن مناقشة سياسات الحد من التضخم، أو تحجيم عجز الموازنة، أو وقف استنزاف الاحتياطي النقدي، أو معالجة زيادة حجم الدين العام، وغيرها؛ أهمها جهله بمضمونها، وحتى لا ينكشف المستور، مما أعطى مرتعًا واسعًا لوزراء المجموعة الاقتصادية آن ذاك لامتطاء صهوة جياد الفطنة والحكمة والذكاء، فحتى إذا عرج إلى هذه القضايا أعضاء المعارضة فهم قلة مغلوبة على أمرها.

 

ولذلك يجب أن يعضد الدستور الجديد صلاحيات المجالس المجتمعية المحلية المنتخبة، ويصاحب ذلك منظومة من القوانين تربطها بنظام الحكم المحلي- الذي قزمه نظاما السادات ومبارك إلى قانون الإدارة المحلية- وتعميق اللا مركزية في إدارة الموارد والتنمية، فالمجالس المحلية في أمريكا والهند مثلاً لديها صلاحيات سحب الثقة من رئيس المدينة ومأمور المركز بل مدراء المدارس، وعلى السلطة التنفيذية تنفيذ ذلك دون إبطاء، فأعضاء المجالس النيابية البارزون في ديمقراطيات الغرب والشرق يبنون نجاحهم السياسي من ممارساتهم كأعضاء في مجالس المحليات؛ حيث قاعدة الهرم الديمقراطي.

 

ورغم ذلك لم نرَ من نخبة الفضائيات والمتحزِّبين الجدد من يعطي أولوية أو يقدم رؤية محددة للدستور الجديد في بناء المجالس النيابية المحلية وصلاحياتها الدستورية والتشريعية ونظام إدارة الأقاليم.. هل سيكون حكمًا محليًّا أم إدارة محلية ومدى اللا مركزية في رسم وتنفيذ خطط تنمية أقاليم مصر المحروسة، كل ما يملأ أعيننا ويشنف آذاننا عبر وسائل الإعلام ولافتات المظاهرات والاعتصامات وشاشات الفضائيات المواد فوق الدستورية، والدستور أولاً، وإتاحة زمن أطول لتمكين من يود أن يحصل على مقاعد أكثر في مدرجات البرلمان، وإسقاط فلان وتولية علان من أعضاء وزارة عمرها الافتراضي حوالي مائة يوم فقط.

 

وغريب أن تُملأ الشاشات والصحف أخبارًا وتصريحاتٍ للسادة المرشحين المحتملين لرئاسة الجمهورية المصرية الجديدة، أليس هذا قلبًا لهرم البناء الديمقراطي؟ فماذا لو أننا اخترنا النظام الديمقراطي؟ ورغم أن من بين المرشحين المحتملين شخصيات جادة ذات مصداقية، فقد اضطرت لأن تبادر بتقديم أنفسها حتى لا تترك الساحة لآخرين دخلوها من باب الشهرة، فمثل الجادين منهم كمثل الطلاب المجدين المضطرين لأخذ دروس خصوصية حتى لا يمنحوا آخرين غير مستحقين فرصة تحقيق نجاح غير مستحق، من خلال الدروس الخصوصية، وليس بناءً على القدرات الذاتية للمتقدمين.

 

ويبدو أن سيادة زفة الترشيحات لرئاسة الجمهورية هي استغلال لثقافة الحاكم الزعيم التي ربما ترسخت في وجدان المصريين دون وعي بمفهوم حكم المؤسسات، والتي يبدو أنها في ذهن رجل الشارع لا تخرج عن مفهوم المصلحة الحكومية، أو المؤسسة التجارية، وهو أمر استغلته النظم السابقة لتقدم نموذج دولة المؤسسات، على هيئة فترينات تعرض طرزًا سياسيةً لأفكار مصمم أوحد هو الزعيم أو الرئيس الذي- والعياذ بالله- جردوه من احتمالات الخطأ، وهذا أمر آخر يملي على المفكرين أصحاب المواد الفوقية والتحتية والهمايونية، وغيرها من المصطلحات؛ أن يعيدوا ترتيب أولوياتهم في عرض رؤية واضحة لأسس الحكم.. هل يكون ديمقراطيًّا أم رئاسيًّا أم بين بين؟ وكيف؟

 

وفي ضوء ذلك ما هو الإطار الدستوري والتشريعي لصلاحيات المجالس النيابية المحلية ومدى عمق اللا مركزية في إدارة أقاليم مصر؟ وهل سننتخب المحافظ أم يعينه الرئيس؟

 

وأخيرًا أرى أن المعروض حاليًا من المواد الحاكمة للدستور من قبل عديد من التيارات الليبرالية جانبه الصواب ولا يقبله أقباط مصر قبل مسلميها، فربما حماسةً منهم أو تسرعًا في الفكرة نحو حفظ حرية ممارسة الشعائر لمسيحيي مصر يطرحون فكرة حرية الاعتقاد المطلقة، وممارسة الشعائر للجميع وفق ما يعتقد، وهذا يعطي حق ممارسة العقائد ليس الدينية فقط بل وغير الدينية بل والشاذة منها، بينما المصريون يعتقدون أن أرضهم كانت مهد الديانات السماوية الثلاث، وستظل مصر الكنانة التي تحتضن هدي السماء، ولن تتعايش مع مواطنين يمارسون شعائر غير الديانات السماوية الثلاث، واسألوا أهل مصر إن كنتم لا تعلمون.

--------------

* أستاذ متفرغ بجامعة الزقازيق.