تلك حقيقة يجب الوقوف عندها؛ هي أن الشباب كانوا أكثر المتضررين من النظام البائد المخلوع، وهم أكبر كتلة حرجة تحركت من أجل إسقاط النظام ومواجهته؛ لا أستثنى من ذلك شباب أي فصيل سياسي أو جماعة دينية، ولا شك أيضًا أن هناك منتفعين بالثورة كما أن هناك شبابًا تسلَّقوا أو يريدون أن يقطفوا ثمار الثورة دون أن يدفعوا ثمن ذلك، وهؤلاء يمكن فرزهم على معايير التاريخ والعطاء والمواقف وهم في حاجة إلى مواجهة عادلة لتفادي الأحكام المتعجلة! ولا ينسينا ذلك أن الأصل هم شباب الثورة الذي خرج من أجل مستقبل مغاير على ما كنا عليه! وله الحق أن يعلن عن غضبه بشكل سلمي للتعبير عن رفضه للبطء الحادث في الأداء، ولا أعتقد أن هناك أحدًا في مجمل القوى الوطنية لا يعترف بذلك!.
البطء بادٍ في استعادة كل القيادات المحسوبة على الحزب الوطني المنحل نشاطها في كل المؤسسات التي تولت إدارتها بمعرفة مباحث أمن الدولة المحظورة! وعاد التعسف في الأداء والواسطة في التعيينات وحرمان المستحقين ومعي قرارات منذ شهر مارس الماضي بتعيين معظم أبناء وأقارب قيادات الحزب الفاسد في المشروعات والمؤسسات الحكومية على عجل!.
البطء بادٍ في إتاحة الفرصة لتهريب الأموال، وإعدام المستندات الدالة على فساد الكبار، دون اتخاذ موقف ضد هؤلاء، بل إن موقعة الجمل التي شارك فيها كل أمناء الحزب الوطني المنحل بكل محافظات مصر وأعضاء مجلسي الشعب والشورى إلا قليل؛ قد شاركوا في الإعداد وتوريد الأنفار من كل المحافظات، بل وأشرف على ذلك الفريق أحمد شفيق، رئيس الوزراء وقتها، ورغم استمرار المعارك أكثر من 24 ساعة تحت بصر وسمع المجلس الأعلى ومجلس الوزراء، إلا أنه يبدو أن اتفاقًا تمَّ على إتاحة الفرصة الأخيرة لمواجهة الشعب الغاضب دون توريط القوات المسلحة في قمع الشعب، وعندما باءت بالفشل بفضل الله ثم بدور الشباب الحاسم تراجع الجميع وتمَّ التنحِّي!، وعندما تمَّت المحاسبة تم استثناء كل هؤلاء، بل إن بعضهم يستعد الآن لانتخابات البرلمان والرئاسة!!.
حقّ للشباب أن يثور عندما غاب المطلب الواضح في العدالة الاجتماعية، وما زال الآلاف فوق سن الستين يتولون مناصب الشباب أحق بها، ويقبضون أموالاً غير معاشاتهم ومكافآتهم لا تتناسب مع مهامهم! وما زالت أموال الصناديق الخاصة تُستنزف بلا رقابة، وهي تكفي لتعيين الملايين، لكن لا أحد يتحرك! وهذه الإجراءات تسمح بوضع حد أدنى للأجور أفضل، وحد أقصى مناسب، دون الحاجة لقروض الخارج!.
وما زال المبدعون المخترعون من شباب مصر يطوفون بمشاريعهم على المسئولين الحكوميين دون استجابة أو تشجيع! وما زالت البنوك لم تحاسب على الأداء السيئ للتفريط في أموال الشعب لحفنة من رجال الأعمال المقربين من النظام المخلوع، وما زال المسئولون بها فوق الحساب وهم من شارك في تهريب أموال المصريين للخارج!.
حقّ للشباب أن يثور عندما تمتنع الرقابة الإدارية والجهاز المركزي للمحاسبات وجهاز الكسب غير المشروع من دخول وزارة الداخلية التي تسبَّبت في كمِّ الإهانات التي وُجِّهت للشعب المصري وحرمته من حقوقه الإنسانية تحت دعاوى الحفاظ على شرعية من لا شرعية له!
وما زالت هناك رغبة دفينة للعودة بشروط خاصة، بل وهناك عدم جدية في إعادة تأهيل رجال الشرطة للعمل وفق احترام القانون وحقوق الإنسان أو حتى استبدال أفواج كثيرة ممن عانوا من الأداء السابق ولديهم الإمكانية والرغبة في حماية مصر والمصريين ونظام الحكم الشرعي!.
هذا البطء المتعمَّد يهين عقولنا ويهدر ثورتنا ويثير شبابنا الذي يأمل في تغيير يجني ثماره بعد طول عذاب، وبناءً على ذلك فإن اتهام البعض مثل حركة 6 أبريل بتلقي تمويل أو توجيهات عبر وسائل الإعلام هو من اللغو والكلام المرسل الذي لا ينبني عليه عمل، سوى التشكيك والإساءة، والواجب أن أي فصيل أو حزب أو شخص ثبت تورطه في خيانة الثورة المصرية يجب تقديمه للمحاكمة ومحاسبته بناءً على المعلومات والمستندات المقدمة من جهة الاتهام، وغير ذلك إعدام معنوي إن قبلناه كمصريين فسيطالنا واحدًا بعد الآخر!.
إن وقف التظاهرات والاعتصامات التي هي وسائل الشعب المصري الآن المتاحة للتعبير عن آرائه في غياب المجالس النيابية والمحلية رهنٌ بالمسارعة في محاكمة الظالمين الفاسدين المستبدين بشكل طبيعي وعلني، وضمّ كل من هرب من المحاسبة حتى الآن؛ لأنه يستمتع بأموال الشعب التي حازها بغير حق، أعتقد وقتها ستتوقف كل مظاهر الاعتراض، ولن تصبح هناك فرصة للمتسلقين الراغبين في إثارة الفتنة من الوجود وسط شباب الثورة الغيور على ثورته، ولن تتوفر فرصة إثارة الشعب المصري على أبنائه تحت دعاوى طلب الاستقرار والهدوء، وهى دعاوى حق نرجو أن تتوفر لها فرص التحقق، خاصةً مع وزارة الدكتور شرف الجديدة، ولتتذكر كل الأحزاب والقوى السياسية أن الانشغال في التخوين والإساءة لبعضهم بعضًا- بغية مصلحة متوقعة!!- هو تضييع للوقت ونقصان في الشهامة يترتب عليه فرقة وخلاف سينتهي بمقولة: "أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض"، دون أي استفادة من تجارب التاريخ!.
صندوق الشكاوى
أولاً: لا نفهم سرَّ عدم تنفيذ شركة توزيع الكهرباء بالبحيرة وشركة المصرية لنقل الكهرباء لقرارات الوزير القاضية بصرف المستحقات بعد التنازل عن القضايا المرفوعة ضد الشركة بشكل يُرضي الطرفين ما الذى يضير الشركتين في إنهاء احتقان مزمن، رغم تنفيذ معظم الشركات الأخرى الخاضعة لوزارة الكهرباء؟ هل من تفسير لدى الوزارة؟ أم أن هناك رغبةً في الخروج بمظاهرات ضد الوزارة، وساعتها تبقى برغبة فلول الوطني المنحل المعين بقرارات أمن الدولة المحظور؟!
ثانيًا: فساد ديوان عام محافظة البحيرة اكتملت ملفاته عندي، ونظرًا لعجز السيد المحافظ عن اتخاذ قرارات قوية لمحاسبة المفسدين وإزاحتهم بدلاً من المد لهم ونظرًا لرغبة كل القوى السياسية لإراحة السيد المحافظ من المهمة الثقيلة التي تولاها ثم تمَّ حصاره داخل المحافظة بمعلومات خاطئة، ونظرًا لشعور الفاسدين بأن ضعف المحافظ فرصة ذهبية لهم لتمرير ما يرغبون فيه، كما حدث في قرارات عدة، ونظرًا لخوفه من الصوت العالي من خارج المحافظة، بغضِّ النظر عن الجدية والطهارة والرغبة في الإصلاح؛ فقد انفضَّ مَن حوله مِن المخلصين القادرين على دعمه في مواجهة الفساد!! نظرًا لكل ذلك فقد قرَّرت عدم عرض أي قضية فساد في البحيرة؛ حتى تنال المحافظة حقها في محافظ قوي، واضح، مخلص، قادر على مواجهة الغربان والدبابير في عقر دارها في حركة المحافظين الجديدة، وإن غدًا لناظره قريب.
ثالثًا: لا شك أن ضم قضية قتلة ثوار يناير إلى قضية الرئيس المخلوع هي البداية التي يجب أن تكون علنيةً؛ لأن ضحاياهم بالملايين، بل كل الشعب المصري الذي من حقه أن يتابع محاكمة قاتليه ومعذبيه طوال أكثر من ثلاثين عامًا!.
وهنا نناشد المستشار حسام الغرياني، وهو من هو أملاً في استقلال القضاء- بعد استبعاد المستشار جمعة- أن يفتح ملف تطهير القضاة؛ من الذين شاركوا في التزوير، وتلقَّوا تعليمات أمن الدولة ونفَّذوها حرفيًّا، ومن قبل نظر قضايا بعينها لإصدار أحكام بعينها؛ فلنبدأ بهؤلاء ومستندات الإدانة موجودة والشهود حضور، بل هم من أهل القضاء نفسه، فنرجو أن يطمئن المصريون إلى ملف القضاء؛ لكونه في أيدٍ أمينة، وسنرى قريبًا خطواتٍ عمليةً على طريق الاستقلال إن شاء الله.
------
* أستاذ جامعي وبرلماني سابق وقيادي بحزب "الحرية والعدالة".