واقع الإعلام الخاص في مصر كثيرًا ما يذكرني بالأفلام المصرية القديمة؛ فمن شاهدها منا يتذكر لقطة الفنان توفيق الدقن، وهو يقول في أحد أفلامه: "أحلى من الشرف ما فيش"، وهذا ما يقوم به غالبية أرباب الإعلام الخاص.
فكان الفنان يظهر في أدواره على الرغم من سوء أخلاقه وسلوكه الوضيع ونواياه السيئة المقيتة كان يدعي الشرف والنزاهة، كذلك أهل الإعلام الخاص قبل الثورة وبعدها يطبلون ويزمرون حول الشرف والنزاهة والحيادية وحب الوطن، وأفعالهم وسلوكهم أبعد ما تكون عن ذلك إطلاقًا، بل إنهم أقرب إلى التدليس والتزوير ويمارسون أشد أنواع الإرهاب الفكري.
فهم الآن يدعون خوفهم على الثورة ودفاعهم عن مكتسبات الديمقراطية، وعن دم الشهداء، وأنهم يقفون خلف الثوار الحقيقيين- من وجهة نظرهم- والمواقف كثيرة وعديدة.. فقبل الثورة كانوا يهللون للنظام الحاكم ويبدون بعض الرفض على استحياء لقراراته، في حين كانوا ينفذون أجنده خاصة لأمن الدولة، وظهرت جليًّا أثناء انتخابات مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان فأقاموا الدنيا، ولم يقعدوها لتشويه الجماعة (وكانت اللعبة الأولى بتقسيم الجماعة إلى إصلاحيين ومحافظين)، وإن الجماعة قد أوشكت على الانغلاق السياسي.
فإذا بالمرشد العام الجديد يقود الجماعة لأكبر انفتاح سياسي وفتح حوار من أجل مصر؛ ليحتضن القوى السياسية كلها والتيارات المختلفة ويرد ردًّا عمليًّا على هذه التهم والتدليس والتشويه.
ثم تأتي الانتخابات البرلمانية ليقرر الإخوان بمرشدهم العام ومكتبهم (المنغلق من وجهة نظر إعلاميي الطبل والزمر) الدخول بكل قوتهم ومواجهة أقسى تجربة انتخابية، ومواجهة تزوير مؤكد وبطش أمني لا يمكن تحمله، ودخلت الجماعة رغم تهليل الإعلام وصرخاته لمنع الجماعة من المشاركة وعمل جو عام مضاد للانتخابات.
وإذا بالنتيجة تأتي ليتم صفع الإعلام، وتكون العملية الانتخابية بكل ما دار بها من فُجر سياسي دافعًا لثورة المصريين ومفجرة لغضبهم.
أما بعد الثورة... بدأ التلون والتحول المفضوح والمشبوه للإعلام الخاص.. ولم يقدم أجندة وطنية لخدمة الوطن في هذه الأوقات العصيبة.. بل قام بعمل حملات لإسقاط رموز وطنية وتشويهها.. وتلميع رجال أعمال من فلول الحزب الوطني. أو تبرير أخطاء لسياسيين بشكل فاضح.
وجاءت حملة الاستقطاب الكبرى في الاستفتاء لتفتت وحدة المصريين، ولتحول توجه المصريين من نهضة البلاد وحماية مكتسبات ثورتنا، إلى التشاحن ونقل الصراع إلى الشارع.
تنفيذًا لمخططات سياسية خاصة ببعض رجال الأعمال ذوي المصالح والسياسيين العلمانيين والليبراليين فاقدي الشعبية والقاعدة وتتحول خططهم الفاسدة لجماعة الإخوان مرة أخرى.. لتبدأ اللعبة الثانية لتقسيم المؤسسة إلى (الشباب والقادة) ومداعبة بعض الشباب بالإغراء الإعلامي والظهور والترميز لعمل ضجة صاخبة.. محاولة للضغط على الجماعة نفسيًّا وهزها داخليًّا.. منفذين توجهات أمن الدولة وبعض مدعي الحرية والديمقراطية.
ويستمر الادعاء: "أحلى من الشرف ما فيش"، وأنا أخاطب أصحاب المؤسسات الإعلامية الخاصة والإعلاميين المستخدَمين كأبواق زاعقة، والعاملين كـ"أنفار" خادمة للسموم وبثها.
أتمنى أن تتشبهوا بالفنان الراحل (أحمد زكي)، وتقفوا وقفة مصارحة مع أنفسكم.. وتعترفوا أنكم أصبحتم معول هدم واضح لبناء الدولة الجديدة.. وأنكم أصبحتم مفضوحين وأنكم آلة يحركها من يمولها، دون رسالة أو غاية، وأنكم وسيلة هدم لكل القيم والمبادئ النقية النبيلة وأبعد ما تكونون عن المهنية.
كما وقف في أحد أفلامه أمام المحكمة ليقول (كلنا فاسدون.. كلنا فاسدون). اعترفوا.. يرحمكم الله.
----------------------------------------
* أحد طلاب الإخوان المسلمين بكلية طب قصر العيني، ومسئول اللجنة السياسية لطلاب الإخوان بجامعة القاهرة، والمنسق العام بين التيارات السياسية في الجامعة، وعضو حزب "الحرية والعدالة" بأمانة القاهرة.