تتنازعني حالان؛ أراني مترددًا بينهما كبندول الساعة، تارةً يمينًا وأخرى يسارًا..

الحال الأولى: أحلام اليقظة، والحال الثانية: أضغاث الأحلام.

أما الأولى: فأعيشها بروحي وقلبي.. الثورة منتصرة محققة لأهدافها وغايتها.. الجميع يعرف واجباته، ويتحمل مسئولياته الآنية والتاريخية.. مصر تسترجع قامتها وتستعيد مكانتها.. ليس فقط في العالم العربي والإسلامي، بل في العالم أجمع.

 

وأما الثانية: فيعيشني فيها فكري وعقلي.. ما يحاك بالثورة وما يدبَّر لها وما يراد بها.. مؤامرات.. سياسات الاحتواء.. انحرافات عن الأهداف.. الاكتفاء بالإنجازات.

 

وينفجر سؤال كبير في عقلي: كيف ومتى تتحقق الأحلام ولا تتلاشى كأضغاث؟ وبعد حيرة أجد الإجابة بسيطة، ولكنها من نوع البسيط الممتنع؛ ألا وهي: أن يقف الجميع حراسًا لهذه الثورة يفدونها بالغالي قبل الرخيص، والجميع هنا أفرادًا ومؤسساتٍ.

 

ومن هنا أحمِّل الإخوان- بحكم التاريخ والجغرافيا- مسئولية إخراجي وأمثالي الكثيرين من هذه المتاهة اللا متناهية، وانطلاقًا من واجبي الفردي أقدم هذه المقترحات؛ لعل الإخوان يحوِّلونها إلى خارطة طريق توصلنا إلى بر الأمان، وتضعنا على الطريق، وتفتح لنا آفاق الآفاق.

 

فأقترح أن يعمل الإخوان على محاور متوازية ومتوازنة:

المحور الأول: المحافظة على الحالة الثورية للشعب المصري، وهذه هي الضمانة الأساسية لنجاح الثورة وتحقيق الأهداف خوفًا من الاسترخاء أو استجابة لمحاولات الاحتواء.. ببساطة خوفًا من النوم أو التنويم، وذلك بالمشاركة في كل الفعاليات (ما أمكن ذلك)، بل إلى المبادرة والدعوة إلى فعاليات، بأسرع وقت، وتكون منتظمة وهادفة.

 

المحور الثاني: المحافظة على بنية الجماعة، إعدادًا وتربيةً؛ لأننا نحتاج في هذه الفترة إلى كل المعاني التي قصدها الإمام البنا من أركان البيعة؛ فالرجال الذين أعدوا وتربَّوا.. هم الذين يهرع إليهم في الملمات، وهم الذين يثبتون عند الأزمات.. (كما في قصة طالوت وجالوت.. وغزوة حنين؛ حين استدعى أهل السمرة وأهل البيعة).

 

المحور الثالث: الانتشار في المجتمع؛ لتأهيله للمرحلة القادمة، وإعداده لتحمل واجباته كاملة في هذه الفترة الفارقة في الزمن.

 

وهنا محظور أن ينشغل الجميع بهذا المحور على حساب المحاور الأخرى، أو الاستشعار بأن هذا هو المطلوب فقط.

 

المحور الرابع: الانتباه والحذر لما يحاك للثورة من مؤامرات داخلية وخارجية (رصدًا وتحليلاً وتخطيطًا وتنفيذًا).

 

وأخيرًا.. أن يكون هناك فريق أزمة متفرغ، غير منغمس في التنفيذ في أي محور من المحاور؛ حتى لا يتوحد معه أو يتحيز له؛ ليكون حرًّا غير مستقطَب، يكون دوره مراقبة حركة العمل الكلية، وملاحظة خط السير نحو الهدف؛ فهو كالبوصلة يوجه ويسدد.

 

هذه الثورة هبة من عند المولى، يجب أن نصونها، وفرصة تاريخية يجب ألا نضيعها؛ فالعمل العمل، والحذر الحذر.

 

وبصراحة.. حرام علينا لو ضاعت من أيدينا أو سُرقت منا هذه الثورة.