على مدى عقود ستة عرفت حياتنا العربية الثقافية والسياسية نفرًا من المثقفين، يقدمون ولاءهم لكل سلطة، ويمنحونها الدعم والتأييد في قمع الشعوب العربية وإذلالها، وتدمير أغلى ما يملكه الإنسان العربي من الشرف والكرامة، فضلاً عن سرقة الحرية، والإسلام، والأمل!، بينهم وبين الأجهزة يقولون كلامًا، وأمام الجمهور يسمح لهم ببعض التجاوز!.
قبل سقوط النظام البائد بأربعة أشهر تقريبًا (30/9/2010م) وقف أحد عشر كوكبًا من مثقفي السلطة المصرية في القصر الجمهوري، وقدموا انحناءاتهم لرمز النظام الذي أدخلهم الحظيرة، وأغدق عليهم المناصب والجوائز والمنافع والمغانم، وسخَّرهم لإهانة الإسلام والزراية به، وتأييد الاستبداد البوليسي، وتصدَّر المشهد السياسي والثقافي لتسويغ كل الممارسات الإجرامية ضد الشعب المسكين البائس، وخيانة الأمة بالتحالف مع العدو النازي اليهودي في فلسطين، وشنّ الحملات الرخيصة ضدَّ المقاومة الإسلامية في فلسطين ولبنان.. ثم يفاجأ الناس في مصر المحروسة بأن الكواكب الأحد عشر يتحولون في غمضة عين بعد يناير 2011م إلى ثوار ومناضلين، ينظّرون للثورة ويخططون للمستقبل!، وفي الوقت نفسه يحاربون الإسلام من خلال بعض المواقف والحوادث التي تتعلق بالحركة الإسلامية ويعملون لتجريد مصر من إسلامها وعقيدتها؛ لتلحق بعالم التقدم والمستقبل كما يزعمون!.
مثقف السلطة حين يتجمَّل بالثورية والنضال، مع أنه غاطس حتى القاع في الولاء لمصالحه الشخصية الرخيصة التي تحققها له السلطة البوليسية الفاشية، يبدو متسقًا مع نفسه؛ لأنه لو فعل غير ذلك فسيكون شاذًّا وغير طبيعي، ويمارس سلوكًا متناقضًا مع أن سلوكه كله شاذ، وإجرامي، وشائن.
هناك نفر آخر من المثقَّفين الذين يحملون منهجًا خاصًّا بهم، ويتحركون من خلال إطار تجميلي لا يغضب السلطة، وفي الوقت نفسه يقدمهم للشعب بوصفهم أصحاب موقف تاريخي!، وقد ينخدع بهم بعض المثقفين البسطاء أو بعض من يأخذون الأمور على عجل، ولكن الحقيقة تكشف شيئًا مريبًا مريعًا لا يقل بشاعة عن موقف الأحد عشر كوكبًا!.
ولعل موقف الشاعر السوري علي أحمد سعيد" أدونيس" يقدم لنا هذا النموذج خير تقديم؛ فالرجل قضى عمره يرى في الإسلام والمسلمين حالةً إستاتيكيةً ميتةً، لا تعرف الثورة ولا التمرد، وكان تركيزه دائمًا على بعض الحالات الشاذة في التاريخ الإسلامي المعادية للدين، مثل: حركة القرامطة والزنج، وبعض المواقف الملتبسة لبعض الصوفية من أصحاب فكرة الحلول ووحدة الوجود؛ مثل الحلاج والسهروردي ليشيد بها، ويعدها نموذج الثورة، والعقلانية والأمل الذي يتمناه في الأمة العربية المعاصرة، وكتابه الثابت والمتحول، المليء بالتدليس والاجتزاء والمغالطات شاهد على ذلك.
ومع أن الرجل ينتمي إلى سورية بالمولد والنشأة، فقد ظل صامتًا على حكم البعث السوري الدموي أربعين عامًا، لم يفتح فمه بكلمة دفاعًا عن المظلومين الذين غيبوا وراء الأسوار، ولا عن الشهداء الذين سحقهم الأسد الأب في حماة وحمص وحلب وتدمر وجسر الشغور وسجن المزة، وأيضًا لم يُشِرْ من بعيد أو قريب إلى من قتلوا أو أصيبوا أو غيبوا وراء الأسوار على يد الأسد الصغير!.
كان أدونيس مثقف السلطة الذي تستقبله دمشق بحفاوة بالغة، ويخرج إلى عواصم الغرب يتحدث عن الحداثة بمفهوم الغرب، ويحاضر عن الأصولية الإسلامية التي تعوق التقدم العربي، ويدعو إلى فهم الثقافة اليهودية الإنسانية، ويدين المقاومة الفلسطينية التي تقتل المدنيين اليهود!! وبعدئذ يجلس كل عام ينتظر جائزة نوبل!.
أدونيس لم يدرِ أن الشعب السوري منذ 18 مارس 2011م يقوم بثورة شعبية ضد الاستبداد والقهر والقتل في المعتقلات والسجون والطرقات، ولكنه تذكر أن الدنيا كلها تفرض عقوبات على سادته البعثيّين وأبناء طائفته الذين يحكمون دمشق العمرية- نسبة إلى عمر بن عبد العزيز- فكتب بعد ثلاثة أشهر إلى السيد الرئيس يوضح له كيف يفصل بين الدين (يقصد الإسلام وحده) والدولة؟ وكيف يخلص سورية من السلفية؟ وكيف يعيد حزب البعث إلى حزب غير متدين؟!
الأستاذ أدونيس في رسالته المفتوحة إلى الرئيس بشار الأسد، حول الإنسان.. حقوقه وحرياته، أو الهاوية (السفير اللبنانية) في 14/6/2011م يخاطب السيد الرئيس، بقوله: "لا يصدّق العقل ولا الواقع أنّ الديمقراطية سوف تتحقق في سوريا، مباشرة بعد سقوط نظامها القائم؛ لكن بالمقابل، لا يصدق العقل ولا الواقع أن يظلّ النظام العنفي الأمني في سوريا قائمًا، وذلك هو المأزق: من جهة، لا تنشأ الديمقراطية في سوريا، إلا بعد نضال طويل، وإلا ضمن شروطٍ ومبادئ لا بدّ منها؛ لكن لا بدّ من التأسيس لذلك، ومن البدء، الآن لا غدًا.. من جهة ثانية، بغير الديمقراطية، لن يكون هناك غير التراجع وصولاً إلى الهاوية".
الأستاذ أدونيس يتجاهل القضية الأساسية، وهي الحرية، حرية الشعب المظلوم الذي يسقط يوميًّا صريع الرصاص الحي الذي يطلقه الجيش السوري "البطل" على أبناء شعبه بدلاً من الغزاة المحتلين في الجولان، ويطلقه القناصة المجرمون الذين دربهم النظام الفاشي ضد المتظاهرين العزل، ويطلقه "الشبيحة" الإرهابيون الذين يشكلون ميليشيا دموية للنظام الظالم!.
ويطرح صاحبنا قضية الديمقراطية كأنه في جلسة تنظيرية لأهل أثينا، على طريقة البيضة والكتكوت، من وجد أولاً، ثم يبشرنا باستحالة تحقيق الديمقراطية من ناحية وبالوصول إلى الهاوية من ناحية أخرى.
نحن هنا أمام حالة غريبة؛ فصاحبها لا يستنكر القتل اليومي ولا الإعدامات المتواصلة التي يقوم بها النظام البعثي الإرهابي الذي لا يستثني الجنائز من عمليات الإعدام، بل يتطوع بتخفيض هذه العمليات الدموية القاتلة من مستواها الإجرامي إلى ما يسميه العنف الأمني؟!.
ثم يكشف المثقف الذي يتجمل عن غايته الأساسية مباشرة، وهو يقدم النصائح لسيد طائفته وحاكم دمشق العمرية فيقول له: "غير أنّ هذا لا يعني إطلاقًا استحالة العمل على التأسيس لها (يقصد الديمقراطية)، وقد بُدئ هذا العمل مع بدايات الاستقلال، وكان شجاعًا وبنّاءً. وإنما يعني أنّ هذا العمل يقتضي شروطًا أساسيّة، ولن يكون مجديًا إذا لم تتحقق، بدئيًّا، وبين هذه الشروط ما حال، ماضيًا، دون أن يأخذها العرب من الآخر ويمارسوها، كما أخذوا أشياء كثيرة، نظرية وعملية، ومارسوها ويمارسونها، وبرعوا فيها ويبرعون".
أول هذه الشروط هو الخروج بالمجتمع، ثقافيًّا وسياسيًّا من "زمن السماء، الجمعي والإلهيّ"، إلى "زمن الأرض، الفرديّ والإنسانيّ"، أو هو، باللغة السياسية المدنية: الفصل الكامل بين ما هو دينيّ وما هو سياسيّ واجتماعيّ وثقافيّ، وقد ناضل من أجل ذلك، منذ القرون الأولى لتأسيس الدولة الإسلامية- العربية حتى اليوم مفكرون وشعراء عرب كثيرون، غير أنهم لم يفشلوا فقط وإنما سُفّهوا وكُفّروا وقُتلوا، تبعًا للوضع وللمرحلة التاريخية. كان الدين المؤسّسي هو الذي غلب ولا يزال يغلب. والمزج بين الدينيّ والسياسيّ لا يزال قاعدة النظر والعمل في الحياة الإسلامية- العربية، وهو مزجٌ شهدنا ونشهد رسوخه وآثاره المدمّرة، كلّ يوم، وفي مختلف المجالات، إنه قاعدةٌ يُقتَل فيها الإنسان شرعًا أحيانًا يُقتَل فكرًا، وأحيانًا يُقتَل جسدًا، من أجل "النص" أو تأويلٍ معيَّن للنص.
كان أدونيس قد أعلن قبل نشر رسالته أنه لا يستريح لخروج المظاهرات الباحثة عن الحرية من المساجد، ويبدو أن خروجها من أماكن عبادة أخرى يريحه ويمنحه المتعة! وجاءت رسالته إلى السيد الرئيس لشرح عدم ارتياحه لوجود المساجد في مظاهرات يوم الجمعة، وحضور يوم الجمعة باستمرار في الوجدان الشعبي المقهور لإزعاج القتلة الطغاة، فراح يتكلم عن التكفير والمكفرين بصورة جامعة مانعة قاطعة، وكأنه يحلل للسيد الرئيس وطائفته وجلاديه ولصوص الوطن حق قتل هؤلاء الناس الذين ينتمون إلى ثقافة السماء وليس ثقافة أهل الأرض!.
السيد أدونيس يرى أن النص- يقصد القرآن الكريم- يمثل معضلةً لسيده الرئيس، وكأنه يقول له: اسحق هذا النص الذي يمنع التقدم والديمقراطية، واستئساد الأقلية التي ينتمي إليها على أغلبية الشعب السوري المسكين! رسالة أدونيس لا تخرج عن هذا السياق: تحويل قضية الشعب المظلوم وبحثه عن الحرية إلى قضية الفصل بين الإسلام والدولة الطائفية التي لا تعرف الله ولا تشبع من سفك دماء الناس جميعًا مسلمين وغير مسلمين بما فيهم أبناء الطائفة الفقراء!.
مشكلة أدونيس وتلاميذه على امتداد الوطن العربي أنهم يكرهون الإسلام، ولكلٍّ أسبابه، ولكنهم يجمعون على قبول كل ما يجري من قتل وقهر حتى يتم الفصل بين الأرض والسماء، ولذا تأتي رسالة أدونيس إلى السيد الرئيس دليلاً واضحًا على طبيعة مثقف السلطة الذي يقف ضدَّ شعبه ويتجمَّل أمام رئيسه وسيده انتظارًا لجوائزه وجائزة نوبل.