- القمامة وانتظار الموت بالهدم حالة أهالي "الزرايب"

- تكرار الانهيارات بين فترة وأخرى ولا أحد يهتم

- صخور المقطم تتساقط مع الهزات الأرضية 

- د. يحيى قزاز: 1.7 متر معدل تراجع وتآكل حافة الهضبة العليا سنويًّا

- د. عالية زلط: سوء التخطيط وزحف العشوائيات وراء انهيار الصخور

 

تحقيق: الزهراء عامر ويارا نجاتي

"صخرة تزن 100 طن تقريبًا، تقتل 119 شخصًا، وتشرد 250 أسرة، وتغلق 35 منزلاً، وتصيب العشرات.. مأساة طالت أهالي الدويقة منذ سنوات قليلة وليست ببعيدة عنا اليوم، فها هو نفس الكابوس أوشك أن يتكرر مرة أخرى في أي لحظة، قد نستيقظ يومًا عليه أو قد لا نتمكن من النوم والراحة بسببه.

 

فنحن إزاء توقعات العلماء بحدوث انهيار مماثل يقضي على منطقة (الزرايب) بمدخل المقطم، ويقطع الطريق الرئيسي المؤدي إلى المنطقة بالكامل، وهي تشبه تلك الدراسات التي حذرت من كارثة الدويقة قبل سنوات، ولم يلتفت إليها المسئولون حول صخرة الدويقة حتى انهارت على رءوس أهاليها، فالمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، أعد عدة دراسات منذ سنوات، تؤكد أن صخور هضبة المقطم تنذر بالانهيار في أي وقت، وتحذر من وجود تجمعات سكانية حول الهضبة؛ ولكن لم يستجب أحد لهذه الدراسات.

 

حذَّر خبير باللجنة المختصة بالكشف على هضبة المقطم، من وقوع انهيار ضخم بالهضبة، على جانبي طريق المقطم ومنطقة الزرايب، يعيد إلى الأذهان كارثة الدويقة في 2008م؛ بسبب ما كشفه عن وجود انشقاقات بالمغارات الجبلية على يمين الطريق الصاعد، إضافة إلى وجود كتل صخرية ضخمة مشيد فوقها أبراج الإذاعة، وأن انهيارها، بحسب قوله، يهدد حياة أهالي منطقة الزرايب وقائدي السيارات على الطريق.

 

تشققات ومياه

وصلنا إلى طريق المقطم قبل الظهر مباشرة في أصعب أوقات حرارة الشمس، ونظرنا إلى الهضبة ونحن نبحث عن منطقة (الزرايب) التي تنتظر أن تتكرر بها كارثة جديدة مثل الدويقة، حتى دلَّنا الأهالي عليها، فنزلنا في طريق وسط الجبال على الجانبين من اليمين واليسار، وما إن عبرنا الطريق ووصلنا إلى مدخل المنطقة حتى صدمنا المشهد؛ فالقمامة تملأ المكان على جانبي الطريق، وتنبعث منها رائحة كريهة، والشوارع تغمرها مياه الصرف الصحي ولا أحد يستطيع العبور منها، وبعناء شديد سلكنا الشارع الطويل الوحيد الذي يؤدي إلى داخل المنطقة.

 

في بداية الطريق تبدو أغلب المنازل حديثة البناء، بينما مع استمرارنا في السير إلى وسط المنطقة- حسب وصف الأهالي- للوصول إلى المنازل القريبة من الجبل، ظهرت المنازل القديمة، فالطريق مليء بالقمامة في كل مكان، والمنازل تحولت إلى مخازن لتجميع القمامة وفصلها وتوزيعها، ووصلنا إلى المطلع على يمين الطريق ثم انحرفنا يسارًا إلى البيوت المطلة على الجبل؛ وعند إحدى الحواري المسدودة بحافة الجبل، فضلاً عن القمامة، سألنا إحدى السيدات تُدعَى أم بولس "35 سنة" التي تعمل في فصل القمامة، فأكدت أن هناك انهيارات صغيرة تحدث كل فترة وأخرى؛ حيث تسقط مجموعة من الصخور بشكل مفاجئ، وكان آخرها منذ قرابة الشهر، بعد الحريق الضخم الذي أصاب أكبر مخزن للقمامة في المنطقة ووصل إلى مستوى أعلى من الجبل، ثم تبعه سقوط بعض الصخور داخل المخزن.

 

بين السراب والحقيقة

وفي محاولة للتستر على الحريق الضخم الذي شبَّ في البلاستيك المستخرج من القمامة الذي نقف أمامه تقاطعها سيدة أخرى تقف بجانبها منكرة كل ما قالته، نافية بشكل قاطع كل محاولات تذكيرها من صديقتها لبعض الأحداث كالشهر الماضي، والحريق الهائل.

 

ويأتي صاحب المخزن في الأربعينيات من عمره متسائلاً عنا بحذر وترقب، وعندما علم بما جئنا نسأل عنه، قال: لا يوجد أي صخور سقطت، فأنا أعيش في هذا المكان منذ أكثر من 30 سنة، ولكن ما جعلنا نتشكك في حديثه الطريقة الهجومية التي تحدث بها، وهو يقطع بأننا نبحث عن سراب لا وجود له، رافضًا تمامًا أي محاولة اقتراب أو تصوير بالقرب من مخزنه الملتصق بالهضبة مباشرة، فوقف ومعه آخرون ومنعونا من التجول إلى الداخل، وقال "أحسن لكم تمشوا وترجعوا لما تبقوا عارفين العنوان اللي انتم رايحينه بالضبط".

 

فابتعدنا عنهم قليلاً ثم قررنا أن نعيد المحاولة مرة أخرى، وحاولنا أن نسير هذه المرة دون أن نسأل الأهالي حتى لا يمنعونا مرة أخرى، لكنهم استوقفونا هذه المرة، ودلنا البعض على الطريق المؤدي للمساكن المجاورة للهضبة، وما إن وصلنا إلى الجبل وجدناه كأنه هو السقف الذي يغطي المنازل.

 

أم عمرو سيدة في الـ55 سنة أدخلتنا إلى منزلها، وأكدت لنا أن الصخور تسقط بشكل مستمر على منزلها.
   

 الصورة غير متاحة

 الحجرة الخلفية لمنزل (أم عمرو) تطل على الهضبة مباشرة وتعلوها مبان أخرى

وتضيف: "قبل الثورة مباشرة قام العمال المكلفون من قِبَل (دير سمعان) الموجود فوق الهضبة بتنظيف الصخور الزائدة وحقن الهضبة بالخرسانة حتى يقف التساقط، وبالتالي لا يأتي قرار بإزالة المنطقة، ومن ثَمَّ إزالة الدير؛ لكن هذا لم يمنع الصخور من التشقق مرة أخرى.

 

وتقول: لا أعلم ماذا أفعل، فأنا أعيش هنا منذ 30 سنةً، ولا أعرف منزلاً غيره، فأثناء عملية تنظيف الصخور سقط الونش على الجزء الخلفي من المنزل، ما أدى إلى هدمه، وتكفل الدير بإصلاحه.

 

وتؤكد أن بعض المحاولات جرت من بعض الأهالي لنقلهم، لكن الكثير من العراقيل قابلتهم؛ بسبب تمسك الكثيرين بالبقاء في هذا المكان لأسباب خاصة بهم وبمصالحهم المرتبطة بتجارة القمامة التي تدر عليهم الملايين، ونبهت علينا ألا نخبر أحدًا عن هويتنا، ولماذا دخلنا إلى منزلها، فابتعدنا كثيرًا عن منزلها، ولم نرد على الكثيرين الذين حاولوا التعرف على سبب وجودنا هناك.

 

وفي طريق خروجنا شاهدنا منزلاً صغيرًا مقامًا به مصنع، فطرقنا الباب وفتح لنا أحد العمال الذي أكد أنه يسمع عن بعض الانهيارات البسيطة في الهضبة ما بين الفترة والأخرى، آخرها منذ حوالي شهر تقريبًا في أول الجبل المطل على الطريق، وكان انهيارًا أكبر من المعتاد سقطت خلاله صخرة كبيرة وتفتَّت؛ ما أثار الرعب في المكان لفترة، ولكن المصنع لم يتأثر بالصخرة؛ لأنه بعيد عن الجبل.

 

فذهبنا إلى مكان الصخرة التي سقطت مؤخرًا، وأكد العاملون في الكافيتريا الوحيدة التي تقع بجانب الهضبة مباشرة، أنهم يسمعون الأخبار عن سقوطات مستمرة لصخور من الجبل، آخرها كان بالقرب منهم وتفتَّت فيه كتلة صخرية كبيرة، نافين أن يكونوا سمعوا أي أخبار عن التوقعات بانهيار الهضبة على منطقة الزرايب من قبل، وهو ما أكده جميع الأهالي الذين تحدثنا إليهم.

 

ويقول سليم راضي "عامل" إنهم يشعرون دائمًا بحدوث هزات أرضية متتالية في أوقات محددة، حوالي الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل والسابعة صباحًا من كلِّ يوم، ويعقب هذه الهزات نتيجة سقوط بعض الصخور الكبيرة، موضحًا أنهم تقدموا بعدة شكاوى؛ ولكن لم يحدث شيء، ولم ينتبه أحد لها حتى تتكرر مأساة الدويقة، ويموت منا العشرات أو المئات.

 

تركيب الهضبة

 الصورة غير متاحة

الخرسانة التي وضعت لمنع الهضبة من السقوط على رأس (أم عمرو) لم تمنع الهضبة من التشقق مرة أخرى

وبعد انتهاء جولتنا بالمقطم قمنا بعرض القضية على خبراء الجيولوجيا؛ لمعرفة أسباب انهيار الصخور في هضبة المقطم، وكيف يمكن تفادي الخسائر البشرية، والاقتصادية ... وغيرها..
 بداية.. يوضح الدكتور يحيى قزاز، أستاذ الجيولوجيا، أن تدهور وضع هضبة المقطم أمر ليس جديداً عليها؛ لأنها تتميز بوجود الكهوف والفواصل الرأسية وانزلاق الكتل الصخرية المكونة للمنحدرات، فضلاً عن تراجع وتآكل حافة الهضبة العليا بمعدل 1.7 متر كل سنة من الناحيتين الجنوبية والجنوبية الغربية، بالقرب من  فندق المقطم العالمي، موضحًا أنه تم حساب هذا المعدل من خلال دراسات علمية تمَّت على صور جوية لهضبة المقطم عام 1956م، وعلى صور الأقمار الصناعية لعام 1989م، وكان مقدار تآكل الحافة الجنوبية الغربية حوالي 55 مترًا في مدة 33 سنة.

 

ويضيف أن التركيب الجيولوجي لهضبة المقطم يتكون من الحجر الجيري المتميز بالكهوف، وتتخلله طبقات الطفلة، وتتأثر هذه المكونات بوجود التصدعات والشروخ والفواصل، نتيجة لتسرب مياه الصرف الصحي ومياه الشرب؛ بالإضافة إلى مياه عيون موسى، الأمر الذي يؤدِّي إلى خلل في الصخور وضعف روابط التماسك الصخرية من جهة، وانتفاش الطفلة؛ حيث يتضاعف حجمها الطبيعي، ما يؤدِّي إلى وجود انحدار في الكتلة الصخرية، وسقوط الصخور القريبة من العمران على أساس أن زاوية الميل مرتفعة وتصل إلى 80 أو 90 درجة، بالإضافة إلى وجود عامل الجاذبية الأرضية.

 

ويرى أنه لا أحد يستطيع أن يوقف قوى الطبيعة، ولكن هناك بعض الأساليب يمكن من خلالها تقليل نسبة المخاطر، والبداية تكون بإنشاء الحوائط الساندة من الخرسانة المسلحة وإيجاد وسائل الصرف الصحي المناسبة وصيانتها وعدم الصرف في الهضبة، والتحذير من  البناء فوق الهضبة، مؤكدًا أن وسائل الترقيع الخارجي لن تعطي نتيجة، محذرًا من تكرار هذا الأمر في هضبة الهرم أيضًا؛ في حال اتجاه العمران إليها.

 

سوء التخطيط

وترى الدكتورة عالية زلط، أستاذ الجيولوجيا بجامعة الزقازيق، أن زحف عشوائيات المساكن باتجاه السفح الطيني بل وصعودها إلى أعلى متجاوزة أحيانًا الصخور الطينية وصولاً إلى طبقات الصخور الجيرية التي تعلوها يؤدي إلى حدوث انهيارات صخرية وتداعياتها، كما حدث من قبل في منطقة الدويقة.

 

وتبين أن ظاهرة انهيار الصخور بطيئة الحدوث عادة؛ ولكن سوء التخطيط وعشوائية البناء الذي أدَّى إلى تسرب مياه الصرف الصحي من خلال الصخور الجيرية إلى صخور الطفلة الموجودة تحتها أدَّى إلى تسارع تساقط الصخور؛ نتيجة للضغط الذي ولدته صخور الطفلة على الصخور الجيرية؛ نتيجة لتمددها بفعل المياه، موضحةً أن الانهيارات لن تضرَّ سكان باطن الجبل فحسب؛ لكنها ستمتد إلى السكان فوق الهضبة؛ حيث تنتشر التشققات في الطبقة الجيرية العلوية، والتي تصل إليها أساسات المنازل والفيلات.

 

وتشدد على ضرورة توقف عمل المحاجر التي تنتشر في الهضبة حتى الآن؛ حيث ينجم عن استخدام الديناميت هزات أرضية عنيفة، ومن ثَمَّ زيادة التشققات بالهضبة، كما أن الحرارة الناتجة من حرق القمامة في قرية الزبالين تزيد درجة التشقق في الهضبة، مشككة في فائدة مشروعات تقوية الحوافي التي بدأت منذ عدة سنوات في بعض مناطق الهضبة.

 

وتقول إن الجهات البحثية التي أجرت مسحًا لجبل المقطم حذرت جميعها من الوضع الخطر لحوافي الجبل، ومنها هيئة المساحة الجيولوجية، ومعهد الاستشعار عن بعد، وأقسام الجيولوجيا في الجامعات، ومراكز البحوث التابعة لوزارة الإسكان، منتقدة عدم تعاون الجهات البحثية في مصر والتنسيق بينها؛ للاستفادة من تطبيق الأبحاث، خاصة الجامعات والمراكز البحثية حول الموضوع الواحد.