يعتبر إخواننا العلمانيون الأستاذ خالد محمد خالد مفكرًا من مفكريهم الخوالد، ويعتبرون كتابه (من هنا نبدأ) مرجعًا من مراجعهم العظيمة؛ لذلك عرضه الأستاذ حسن طلب في صحيفة (الأهرام) يوم الأربعاء 15 يونيو 2011م مستخدمًا اسم الرجل، وموضوع الكتاب للترويج للفكر العلماني، متجاهلاً التطور الفكري والمراجعات العلمية والموضوعية التي باشرها الأستاذ خالد، والتي أسفرت عن كتاب كامل ينقض فيه- في شجاعة نادرة- أفكاره السابقة، ويعلن على الملأ خطأ منهجه، وخطأ ما أوصله إليه هذا المنهج من فكر علماني، وهذا الكتاب الأخير أسماه (الدولة في الإسلام).
ولقد جلس الأستاذ خالد- رحمه الله- على كرسي الاعتراف في كتابه الكبير (قصتي مع الحياة) فحكى قصة كتابه الأول (من هنا نبدأ) الذي يتيه به السادة العلمانيون، وملخصها أنه ألفه سنة 1950م، وطبع منه ألفًا وخمسمائة نسخة، وعجز هو ومؤسسة توزيع الأهرام عن توزيعه، فلجأ إلى حيلة ذكية بأن طلب من أحد تلاميذه، وكان طالبًا في السنة النهائية بكلية دار العلوم أن يكتب مقالاً في نقد الكتاب لا يترك كلمة وقحة إلا ضمنها فيه، وعندما جاءه بالمقال، يقول الأستاذ خالد: "لقد طلبت منه أن يقسو في نقده المصطنع، بيد أنه استدعى كل ما يحفظ من وقاحات وزركش بها مقالته، ومع هذا فقد ضحكت كثيرًا وإن كنت قلت له: "إحنا ما اتفقناش على كده" ثم سألني- أي التلميذ-: ماذا نجعل عنوانه فقلت له- أي خالد-: "اجعل عنوانه: كتاب أثيم لعالم ضال" ثم نشره في مجلة منبر الشرق، فتهافت الناس على شراء الكتاب؛ حتى إن الطبعة منه كانت تنفد في يومين أو ثلاثة، وبيعت بعض نسخه بجنيه للنسخة، بالرغم من أن ثمنها كان عشرة قروش، وذاعت شهرة الكاتب حتى وصلت الآفاق.
ولقد قال فيه الشيخ محمود شلتوت في مقال عن الكتاب: "إن هذا الكتاب يلقي بثلث القرآن في البحر"، ولقد رد عليه الشيخ الغزالي بكتابه "من هنا نعلم"، ورد عليه الأستاذ فريد وجدي في افتتاحية مجلة (الأزهر) في حوالي عشر مقالات تحت عنوان "ليس من هنا نبدأ".
ودارت الأيام، وبلغ الأستاذ خالد قمة نضجه الفكري، وكتب في كتابه "قصتي مع الحياة" يقول: "ولكن حدث أن حركة الترحيب بالكتاب، ولا سيما في الخارج جعلتني أسأل نفسي: أتُراني قدمت للشانئين على الإسلام ما أثلج صدورهم وسرهم إلى هذا المدى من الترحيب المريب؟
ومضيت أفكر عبر سنوات، لا عبر شهور، وأيام أناقش مع نفسي الحقيقة الموضوعية، والتاريخية لمكان الإسلام بين كونه دينًا.. وكونه دولةً، منذ بدأ الوحي يتنزل به على رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم، وحتى يوم الناس هذا، وأفضى بي البحث إلى أن هناك فارقًا شاسعًا ومسافة بعيدة جدًّا بين (الحكومة الدينية) و(الحكومة الإسلامية)، وإذن فالإسلام لا يعرف الحكومة الدينية التي عرفتها أوروبا في العصور الوسطى، واكتوت بنارها حين حكمها القساوسة والبابوات، وإنما يعرف الحكومة الإسلامية التي تستمد وجودها، ونظامها وفكرها وضميرها من الشريعة الإسلامية التي لم تترك صغيرة، ولا كبيرة من احتياجات البشر إلا لبتَّها وعظّمتها، وقالت فيها كلمة الفصل، وإنما قلت الشريعة الإسلامية لأضع أمام الأعين المبصرة والقلوب الفاقهة اعتمادها على الاجتهاد، وإعمال العقل، واستبطان النص، واحترام المعاصرة".
ويقول أيضًا: "إن الإسلام كما فهمتُه تمامًا- لا كما يفهمه المفلسون- ولا كما يفهمه الغلاة والمتطرفون، ولا كما يفهمه المتاجرون هو بيقين: دين ودولة، حق وقوة، عبادة وسياسة، ثقافة وحضارة، إخاء وتعارف".
ثم مضى- رحمه الله- يخطئ منهجه الذي قاده لكتابه "من هنا نبدأ" ثم راح في كتابه "الدولة في الإسلام" الذي صدر بعد ثلاثين عامًا من كتابه الأول يدلل على ما انتهى إليه تفكيره بنصوص القرآن والسنة وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده، وأحداث التاريخ، الأمور التي لا يتسع لها هذا المقال، وهكذا يتضح لنا أن الرجل قد تبرأ من الفكر العلماني الذي اعتنقه في مرحلة سابقة من مراحل حياته، فهل يجوز أن يُنسب إليه هذا الفكر بعد ذلك عنوة؟
إن إخواننا العلمانيين يفعلون ذلك، فها هو الأستاذ حسن طلب يفعل ذلك، كما فعله أيضًا الأستاذ أحمد عبد المعطي حجازي عندما نقل عن المستشار طارق البشري رأيًّا في الإخوان المسلمين عاد بعد ذلك ورجع عنه وتبرأ منه، وكتب في حقهم رأيًّا آخر بعد تعمق في البحث، والتحليل والدراسة.
فدعوتي لإخواننا العلمانيين أن يلتزموا بالمصداقية والأمانة العلمية والموضوعية وأخلاق الباحثين والعلماء، ولا تدفعهم رغبة في نصر رخيص في معركة الفكر إلى التضحية بكلِّ هذه القيم.
--------------------
* عضو مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين