في يناير كانت هناك ثورة، قُصد بها رأس النظام، تحقق منها بعض ما أُريد، ضغط تلو آخر تحقق جزء آخر، بدأنا ننظر إلى ذواتنا، كل منا بدأ يبحث عن نفسه أين أنا من الثورة، غربلة أعادت فرز كل واحد منا، منا من تعلق في "الغربال" ومنا من هبط إلى الأرض في سقوط سحيق.
أفكارنا تعبر عن قناعتنا، لا ضير ولا عيب في الأفكار ما دامت تستند إلى الرضا بها، ليس هناك من يدفعك إليها دفعًا، دفعًا بالمال، أو الترهيب، أو الطموح في الوصول للكرسي.
في الميدان رأينا جوًّا مثاليًّا ينبئ عن مستقبل باهر، دقق في الصورة أكثر، ليس توافقًا، ليس ترابطًا، إنها اللحظة الفارقة التي تناسى الجميع بعضًا من خلافاته، دقق أكثر في الصورة، كن أكثر عمقًا، فبعد الثورة كان هناك ثورة "فرز"، لسنا طرفًا "فارزًا" فيها بل كنا طرفًا مفعولاً به، فنحن جميعًا بتنا "مفروزين"، ولسنا الحكم فيها بل هو الشعب.
المصريون ليسوا أغلبية صامتة كما يتهمهم البعض، جمال عبد الناصر قالها وأَتفقُ معه فيها: "الشعب هو القائد والمعلم والخالد أبدًا"، الفارز الحقيقي لنا هو الشارع، أفكارنا وعقائدنا ليست هي الدافع الوحيد لإيمان الناس بنا، الشعب والمواطن البسيط دائمًا ما يكون أعمقن يرى ما لا نرى، يرانا ليس كما يحب بل على ما نحن فيه.
البعض يشتكي أن الإخوان قادرون على حصد أصوات البسطاء؛ لأنهم اتبعوا نظام "اطعم الفم تستحي العين" كلام يعتبره الإخوان "فارغ" وسيكون الرد عليه بسيطًا إذا كان الإخوان كذلك، فلماذا ثار الناس على حزب وطني منحل فاجر، رغم أنه كان يفعل مثلما يفعل الإخوان، مثلما يقول أصحاب هذا الرأي، الفرق أن الإخوان من نسيج الناس، فيهم الغني والفقير، النخبوي والعامي، هو الشعب الذكي القادر على الفرز.
شعب صبور وحمَّال، ليس قليل الحيلة، ليس خنوعًا، لا يرهبه الحاكم بقوته وجبروته، لقمة عيشه غالبًا تحتل الصدارة، ولكن الكرامة، والمستقبل يهمونه أكثر، يرى في المستقبل أولاده، ودائمًا يقول: "خير اللهم اجعله خير"، يحب الاستقرار وليس عيبًا، لكن الإهانة لا يقبلها، قد يصبر لحين تأتي الفرصة ومن ثم يكون حاكمًا، لحظات انتصاراته قليلة، ولكنها دائمًا تغير من مجرى الكون، هو شعب "مركزي"، وعليه فهو "فارز" أي لديه القدرة على الفرز، يرى أصحاب الذقون بتنوعاتهم، يعرف السلفي من الإخواني و"السنية"، وحالقي الذقن الليبرالي الرأسمالي، والليبرالي الملتزم اقتصاديًّا، والعلماني المنفتح، والعلماني المنضبط بشروط المجتمع، والشيوعي، وووو... إنه الشعب القادر على فرز الجميع لا يهمه المسميات.
في زحمة المسميات، وتواطؤ الإعلام قد تغيب عنه الحقيقة حينًا من الوقت، لا تجده ساكنًا، فهو متحرك دائمًا يبحث عن الحقيقة مثلما بحث عنها الصحابي الجليل سلمان الفارسي، فكما وجدها سلمان عند النبي، دائمًا يجدها المصريون عند الدين الحنيف.
شعب قادرٌ على الفرز، واعٍ، يعرف هدفه، يشغله مستقبله، ومستقبل أولاده وأحفاده أيضًا؛ يجد الثقة في المولى الكريم الحل الوحيد، يتلمس في الجميع صفات "الصادق القوي الأمين"، هو نفس الشعب الذي قلد يوسف الصديق منصب "عزيز مصر" عندما وجده مؤمنًا صالحًا قويًّا وصادقًا وأمينًا، فجعله على خزائن الأرض، هو نفسه الذي احتوى موسى، وعيسى، ودعوة النبي الخاتم محمد الأمين عليه الصلاة والسلام. لهذا كانت مصر دائمًا مؤمنة موحدة مع إخناتون، وتهرب بدينها من بطش فرعون مع موسى في صحارى سيناء، ومع عيسى في صحارى الغرب، ومع النبي محمد الخاتم لم تهرب، فقد وجدت ما تبحث عنه فدافعت في حطين وعين جالوت والمنصورة ورشيد.. هذا هو شعب مصر.