من ينظر في أحوال بلدنا هذه الأيام يجد عجبًا؛ يجد محاولات لاختطاف الثورة وصنع بطولات زائفة، من أطراف أقل ما تُوصف به أنها كانت خادمة للنظام البائد!!.. ويجد محاولات لإعادة مصر إلى ما كانت عليه في عهد المستبد المخلوع من تخلف وتبعية وجهل، ويجد مجموعات نشازًا، قليلة العدد عديمة العقل، تلحُّ على الجنوح بمصر إلى تيه الأنظمة السياسية الغربية، البعيدة عن قيم المجتمع ودينه، وثوابته وأخلاقه، ونسيت تلك المجموعات أن شعبنا لا يقبل سوى الإسلام، دينًا وشرعًا، حكمًا وسلوكًا.
من هنا بات حتمًا على القوى الإسلامية، وهي التي تعبر تعبيرًا حقيقيًّا عن غالبية الشعب، وهي التيار العريض، الفاعل المؤثر، الذي يتمتع بمصداقية وقبول كبيرين، فوق أنه موجود في كل شبر من أرض مصر- أقول: بات حتمًا على الإسلاميين بمختلف تشكيلاتهم وجماعاتهم أن يتوحدوا؛ من أجل حماية منجزات الثورة، ومن أجل الدفع بمصر إلى الأمام؛ ولكي لا تُجفف منابع الدين، وتُحارب الدعوة كما جرى في العقود الستة الماضية.
إن استقرار مصر مرهون- بكل تأكيد- بتكاتف تلك القوى، وتوحيد قرارها، ورسم (إستراتيجية) عمل للإصلاح الديني، والوطني، قائمة على شعار: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ (4)﴾ (الصف)، فإن هناك الكثير مما يجمع الإسلاميين، ما يجعل منطلقاتهم واحدة؛ وغاياتهم واحدة، وما يبشر بانتقالهم من مرحلة التعاون الآني ومن مستوى التنسيق الجزئي، إلى مستوى الاندماج الكامل والوحدة، ثم الحديث بلسان واحد يعبر عن تلك القوى ذات الثقلين: الفعلي والعددي. والواقع أن ظروف البلد الآن تستدعي الإسراع بتلك الخطوة، وبذل جهود التوحيد والانضواء تحت راية واحدة، تكثِّر السواد، وتودِّع الضعف، وتحفظ بلدنا العزيز من المظالم والفتن في الداخل، ومن الدس والمؤامرات في الخارج.. ولن يفعل ذلك سوى إسلامي وطني، لا يخضع لإغراء، ولا تستهويه سلطة، ولا يمكن لأحد- كائنًا من كان- أن يغويه أو يساومه على وطنه؛ ذلك لأن طريقته في الإصلاح نابعة من دينه وضميره، ومن أجلها يضحي، ويبذل فلا يتأخر أو يتردد كما يفعل غيره.
إن فصائل هذا التيار- إن اجتمعت وتوحدت- تستطيع التصدي للفلول وممولي الثورة المضادة بسهولة ويسر؛ لما لها من أنصار، ومؤيدين يغطون جغرافية البلد كافة، كما تستطيع التصدي للضغوط الخارجية، ظاهرها وباطنها، لما لها من قدرة على الصمود ومواجهة الأزمات والصبر على الابتلاءات، إضافة إلى خبراتهم وتاريخهم في التصدي لمن يحاولون تمزيق الأمة وحرب الإسلام.
وإذا كانت جمعة (توكيد الهوية) هي أول اجتماع كبير لهذه التيارات، ومن خلفهم عامة الشعب- إلا قليلاً ممن يعادون هذا التيار، فنرجو أن يكون ذلك الاجتماع بداية حقيقية لتعاون إسلامي- إسلامي؛ لحراسة مصر من أن يسرقها صناع الإباحية والرذيلة، أو أن يحكمها صهاينة وأمريكان، أو أن تعود مرة أخرى في أحضان المفسدين واللصوص.. نقول هذا من منطلق ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ (آل عمران: من الآية 103)، ومن منطلق: ﴿وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال: 46)؛ وكي ﴿لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ﴾ (البقرة: من الآية 193).