الإخوان المسلمون وتحليل مواقفهم هو موضوع الساعة، بل هو موضوع العصر الذي شغل كل السياسيين، ومعظم الكتاب والمفكرين من كلِّ التيارات، وكأن الإخوان المسلمين هم فصيل مختلف، أو منفصل عن الكيان المصري، وليس جزءًا أصيلاً منه، فهم أفراد من بين أفراد الشعب، وهم أكثر من قاسى وعانى ودفع ثمن المواقف وثمن إخلاصه تجاه قضايا أمته.
وبعيدًا عن الكلام المرسل سنعيد قراءة التاريخ بإنصاف وحيدة، خاصة منذ العام 1928م هي تاريخ نشأة الجماعة على يد مؤسسها الإمام البنا- رحمه الله- لننظر ما قدمته من تضحيات وخدمات على مدى تاريخها.
فابتداءً كانت نشأة جماعة الإخوان المسلمين في ظلِّ الاستعمار الإنجليزي لمصر، ومنذ اليوم الأول لنشأتها المباركة عكف مؤسسها رحمه الله على وضع أسس البناء السليم؛ لتكوين الفرد المسلم القادر على تغيير ذاته من السلبية إلى الإيجابية، ومن مجرد الاهتمام بالبحث عن لقمة العيش اليومية إلى الاهتمام ببناء الأسرة فالمجتمع فالدولة، إلى أن اتسعت الدائرة لتشمل الخير للعالم كله، فتربى أبناء الجماعة من الرعيل الأول على الأركان العشرة للبيعة، والتي كان الركن الأول منها "الفهم"، وكانت الأصول العشرين هي أساس التكوين العقيدي والعبادي والفقهي والتي وضعها الإمام لتشمل كل مظاهر الإسلام في وسطيته المعتدلة، ولتجمع معظم الطوائف الموجودة في ذلك الوقت، وكان شعار "نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه" هو شعار الجماعة، فألفت القلوب، وانضم إليها الكثيرون في وقت قصير جدًّا، ووجهت الجماعة جهودها إلى مقاومة الاستعمار وضحت برجالها وبدمائها وأقواتها في سبيل الحصول على حرية الوطن وكرامته، ومعارك القناة وحرب فلسطين في عام 48 يشهد على ذلك التاريخ ويذكره، ولا ينكره أحد إلى أن اتجهت أنظار المستعمر إلى الجماعة خوفًا ورعبًا، فكانت المؤامرة على اغتيال الشهيد البنا، وبعد ذلك تتوالى المحن على الجماعة على يد الحكام واحدًا تلو الآخر، ولم يتوقف الإخوان عن العطاء، ولم يتوقفوا لحظة عن العمل في ظلِّ كل التحديات والصعوبات التي لاقوها، فمن أعمال البر إلى التربية إلى الاهتمام بالرياضة إلى السياسة في ظلِّ فهم الإخوان للأصل الأول من الأصول العشرين، وهو أن "الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعًا، فهو دولة ووطن أو حكومة وأمة، وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة، وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء، وهو مادة وثروة أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة، أو جيش وفكرة، كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء".
وانطلق الإخوان بفهمهم الشامل والواسع والوسطي في مصر، وغيرها من الدول لم تسجل لهم حادثة واحدة خروجًا على قانون أو عرف، أو انتهاكًا لحرمة أو إهدارًا لأملاك عامة أو استغلال نفوذ أو سلطة أو منصب، وإنما كان ما يحدث هو العطاء والتضحية والبذل، فتجد الواحد منهم ينفق ربما كل ما يملك- وهو قليل- في سبيل دعوته وإسعاد غيره، وبالرغم من الشدائد والمحن المتوالية فلم نجد إلا التمسك بالصف مهما كانت التضحيات.
وخاضت الجماعة المباركة تجربة الانتخابات بكلِّ ما فيها من قوة الحكام، ومحاولاتهم الضارية للحول دون الجماعة، والوصول إلى أماكن من شأنها تمكنهم من إحداث بعض التغيير في المجتمع أو أماكن اتخاذ القرار، وبالرغم من ذلك يستطيع الإخوان للوصول مرة تلو الأخرى في المحليات ومجلس الشعب؛ ليضربوا أروع الأمثلة في الأداء الراقي والمتحضر والوطني في خدمة بلادهم مع الحفاظ المطلق على طهارة اليد، وحسن المسلك والاستماتة في الدفاع عن حقوق الفقراء والمقهورين من أبناء هذه الشعب المطحون، وتوالت فعاليات الإخوان من مظاهرات ووقفات للمطالبة بالإصلاح والتغيير تعرض فيها أبناء الجماعة للاضطهاد، والسجون والتنكيل والمطاردات والحرب في الأرزاق في وقت كان البعض فيه يداهن السلطات ويتقي شرورهم، ويقدم لهم الولاء على حساب مصالح الشعب ومطالبه، حتى جاءت ثورة 25 يناير العظيمة، وشهدت كل ميادين مصر كيف كان وجود الإخوان فيها رجالاً ونساءً شبابًا وشابات، حتى أشبال الجماعة وزهراتها- وذلك لمن يتهم الجماعة بتهميش دور المرأة أو التقليل من قيمتها، فما أنصفها أحد من الأحزاب أو غيرهم مثلما أنصفت الجماعة النساء- ولا ينكر ذلك إلا حاقد أو غير منصف ويشهد التاريخ- كما يصف البعض من غير الإخوان- أن الجماعة أنقذت الثورة في أكثر المواقف دقة، وأنه لولا وجود ذلك الشباب الواعي المخلص لربما كان هناك للثورة شأن آخر.
فلماذا الخوف من الإخوان؟ أهو خوف منهم أو هو من الإسلام الذي يحملون فكرته ويدعون له ويحملون بين جوانحهم الخير الذي يحمله للعالم؟
ومن الذي يخوِّف منهم؟ أهي أيادٍ خارجية تخاف من الإسلام فعلاً؟ أم أنها مافيا داخلية تستخدم الإخوان، وكل ما يرمز إلى الإسلام كفزاعة يستطيعون من خلالها الإبقاء على مناصبهم التي من خلالها يتربحون حتى ولو على حساب الشعب كله؟
إن الخوف من الإخوان هو خوف مفتعل يستعمله البعض فقط خوفًا على نفسه، وعلى مكتسباته التي ما استمدها إلا من غياب الشرعية الحقيقية، وهي إرادة الشعب وغياب هوية الأمة.
فنجد أن الدنيا تقوم، ولا تقعد إذا أعلن الإخوان أنهم سيترشحون بنسبة 45% ويصرخون- الإخوان سيسيطرون على البلد- بينما يعلن الآخرون أنهم سيترشحون بنسبة 100% فلا نجد تعليقًا واحدًا، وكأن الإخوان استعمار خارجي وتلك بلاد ليست ببلادهم، وعليهم أن يقدموا التنازلات تلو التنازلات لإثبات حسن النية، وأنهم لا يرغبون في الحكم، وكأن المحاولة الشريفة والتنافس المباح على الحكم أصبح عيبًا من العيوب، وكأنهم هم أنفسهم لا يسعون إليه ولكن بطرق أخرى ربما تمتد لتتجاوز الإرادة الشعبية، من باب أن الشعب ليس مؤهلاً للاختيار بعد، أو من باب أنهم أوصياء عليه على اعتبار أنهم النخبة كما يطلقون على أنفسهم، ولا ندري من انتخبهم أو اختارهم.
إن الإخوان لا يخيفون فتاريخهم واضح لمن أراد أن يقرأه، وصفحاتهم ناصعة البياض لمن أراد أن ينصف، ونهجهم في التغيير متدرج وسلمي، وسبقهم إلى خدمة مجتمعاتهم خير شاهد، فلا تخافوا الإخوان فإنهم حقًّا يحملون الخير لكل الناس.