عَنْ عَائِشَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا) أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: وَمَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلاَّ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟! ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَأيْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا" (متفق عليه واللفظ للبخاري).
إن القاضي يجب ألا تأخذه في الحق لومة لائم؛ ذلك لأنه المعني بإقرار الحق والعدل في الأرض، اللذين لا ينصلح بدونهما دنيا ولا دين، ومن هنا كان على القاضي أن يعتبر صاحب الحق- أيًا كان وضعه في المجتمع- قويًّا وكبيرًا حتى يأخذ الحق له، وأن يعتبر القوي- أيًا كانت منزلته في المجتمع- ضعيفًا حتى يأخذ الحق منه، ورحم الله أبا بكر الصِّديق (رضي الله عنه) عندما قال في مفتتح خلافته ومبدأ ولايته: "الضعيف فيكم القوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم الضعيف عندي حتى آخذ منه الحق إن شاء الله" (1).
ونتوجه في رسالتنا الثالثة إلى سادتنا القضاة بجملة أخرى من التوصيات المهمة، والتي نكتبها هنا مذكرين وناصحين، لا متهمين أو متحاملين، ومن ذلك:
الامتناع عن تنفيذ أوامر الحكام إذا خالفت الشرع أو ظلمتْ أحدًا من الرعية:
يُروى عن القاضي المنذر بن سعيد البلوطي الذي ولي القضاء بقرطبة أيام عبد الرحمن الناصر، أن الناصر أراد أن يبني قصرًا لإحدى نسائه، وكان بجوار المكان دار صغيرة وحمَّام لأيتام تحت ولاية القاضي، فطلب شراءه فقالوا إنه لا يُباع إلا بإذن القاضي؛ نسأله بيعه.
فقال القاضي: لا؛ إلا بإحدى ثلاث: حاجة الأيتام، أو وهن البناء، أو غبطة الثمن. فأرسل الخليفة خبراء قدروهما بثمن لم يعجب القاضي فأباه، وأظهر الخليفةُ العدولَ عنهما والزهدَ فيهما (أي: الدار والحمَّام)، وخاف القاضي أن يأخذهما جبرًا فأمر بهدم الدار والحمام وباع الأنقاض بأكثر مما قدَّر الخبراء!.
وعزَّ ذلك على الخليفة وقال له: ما دعاك إلى ذلك؟ قال أخذتُ بقول الله تعالى: (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً (79)) (الكهف)، لقد بعتُ الأنقاض بأكثر مما قدَّرتَ للدار والحمام وبقيتْ للأيتام الأرضُ، فالآن اشترها بما تراه لها من الثمن. فقال الخليفة: أنا أولى أن أنقاد إلى الحق فجزاك الله عنا وعن أمتك خيرًا.
ولذلك رُوي عَن الْحَسَنِ أنه قال: أُخذ على القضاة ثلاث؛ ألا يشتروا به ثمناً، ولا يتبعوا به هوىً، ولا يخشوا فِيْهِ أحدًا (2).
ولما عزل أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز يزيد بن المهلب عن إمرة العراق وسيق إليه موثوقًا، فحبسه لعدم أداء يزيد حقوق المسلمين من المال الذي كان يجمعه من العراق وخراسان (3).
مساواة الجميع أمام القضاء:
فلا يختص الحاكم بأي شيء دون خصمه، لا في الاسم ولا في الكنية ولا في المجلس بل وحتى في النظر.
رُوي أن رجلاً اشتكى عليًّا يومًا إلى عمر بن الخطاب عندما كان خليفة المسلمين فنادى عمرُ الإمامَ عليًّا بعبارة: "يا أبا الحسن"، ونادى الخصم باسمه. فغضب عليٌ، فقال له عمر: لماذا غضبت، هل لأنني ساويتك مع الخصم؟ فقال له: لا ولكن لأنك كنّيتني ولم تكنه.
وقال الشعبي: كان بين عمر وأُبيّ خصومة، فتقاضيا إلى زيد بن ثابت، فلما دخلا عليه أشار لعمر إلى وسادته، فقال عمر: هذا أول جورك؛ أجلسني وإياه مجلسًا واحدًا؛ فجلسا بين يديه (4).
وعندما يشيع هذا المبدأ تجد الخصوم من عوام الناس تراجع حكامها وقضاتها ولا تخاف منهم؛ لأنهم إنما يراجعونهم في الحق.
وللإمام السرخسي في المبسوط فوائد عظيمة وجليلة من هذه القصة القصيرة، فتأملوا فيها- أعزائي القراء- لتستخرجوا الشبه بين الأمس واليوم.
يقول (رحمه الله): أن "أُبيَّ بن كعب وعمر بن الخطاب (رضي الله عنهما) اختصما في شيء فحكَّما زيد بن ثابت (رضي الله عنه) فأتياه في منزله، قال زيد (رضي الله عنه): هلاَّ أرسلتَ إلي يا أمير المؤمنين. قال عمر (رضي الله عنه): في بيته يؤتي الحَكَمُ.
ثم يستخرج الإمام السرخسي الفوائد من هذه القصة فيقول: وفيه دليل على أن الإمام لا يكون قاضيًا في حق نفسه فعمر (رضي الله عنه) في خصومة حكم زيد بن ثابت (رضي الله عنه).
وفيه دليل على أن من احتاج إلى العلم ينبغي له أن يأتي العالم في منزله وإن كان وجيها في الناس (فذلك من تعظيم الدين) ولما استعظم ذلك زيد (رضي الله عنه) قال: هلاَّ أرسلتَ إلي يا أمير المؤمنين. قال (أي عمر): في بيته يُؤتى الحَكَمُ. وتأويل استعظام زيد (رضي الله عنه) أنه خاف فتنة على نفسه بسبب الوجاهة حين أتاه عمر (رضي الله عنه) في منزله وظن أنه أتاه زائرًا وما أتاه محكِّمًا له راغبًا في علمه، فلهذا استعظم ذلك؛ ألا ترى أن عمر (رضي الله عنه) بيَّن له أنه أتاه للتحكيم، فقال: في بيته يُؤتى الحَكَمُ، فأتى زيد لعمر (رضي الله عنهما) بوسادة وكان هذا منه امتثالاً لما ندب إليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في قوله "إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه" وقد بسط رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لعدي بن حاتم رداءه حتى أتاه، ولكن عمر (رضي الله عنه) لم يستحسن ذلك منه في هذا الوقت، فقال: هذا أول جورك.
وفيه دليل وجوب التسوية بين الخصمين في كل ما يتمكن القاضي منه، وما كان ذلك يخفي على زيد (رضي الله عنه) ولكن وقع عنده أن الْحُكْمَ في هذا ليس كالقاضي وإن الخليفة في هذا ليس كغيره، فبين له عمر (رضي الله عنه) أَنَّ الْحُكْمَ فِي حَقِّ الْخَصْمَيْنِ كَالْقَاضِي.
ثم يقول الإمام السرخسي: وكانت اليمين على عمر (رضي الله عنه) فقال لأبي بن كعب (رضي الله عنه) لو أعفيتَ أمير المؤمنين من اليمين. فقال عمر (رضي الله عنه) لا؛ ولكن أَحْلِفُ؛ فترك له أبي (رضي الله عنه) ذلك، فبين له عمر أنَّ على الحكم أن يتحرز عن الميل إلى أحد الخصمين صريحًا ودلالة، وأن مجلس الشفاعة غير مجلس الحكومة.
ثم فيه دليل على أنه لا بأس للمرء أن يحلف إذا كان صادقًا فقد رَغِبَ عمر (رضي الله عنه) في ذلك مع صلابته في الدين (..)" (5).
فأين هذا كله مما يحدث اليوم مع مبارك ووزرائه؟ هل يُحبسون في الأماكن ذاتها كبقية المجرمين؟ وهل ينامون على الفرش نفسها التي ينام عليها المسجونون؟ وهل يلقون المعاملة ذاتها التي يلقاها بقية المحبوسين؟
ثم أين هم من حاكم عادل مثل عمر (رضي الله عنه) يأبى أن يُظلم خصمه في قولة أو إشارة أو فعلة، من منهم رجع إلى الحق وأناب؟ ومن منهم تاب من ذنبه واستغفر؟ ومن منهم إذا دُعي للحلف فلن يكذب أو يتجمل، بل ربما استكبر وطغى وتجبر، وقال: أنا الرئيس الفلاني أو الوزير الفلاني أُدعى إلى الحلف؟!!
تروي كتب التاريخ أنه عندما كان الأمير عبد الله بن طاهر واليًا، وكان القاضي نصر بن زياد، وكان المظلوم مواطنًا عاديًا له ضيعة وذكر حدودها وحقوقها، فقال له القاضي: ألك بينة على ما تدعيه؟ قال: لا، قال: فما الذي تريده؟ قال: يمين الأمير بالله الذي لا إله إلا هو، فقام الأمير إلى مكانه وأمر الكاتب ليكتب إلى هراة برد الضيعة عليه(6).
الاستقالة ولا الخضوع للضغوط:
وإذا تعرَّض القاضي لنوعٍ من الضغوط من قِبل الحكام لينطقوا بحكم معين (مسيَّس) على أحد الناس، فالأوْلى بالقاضي هنا أن يقدم استقالته من منصب القضاء، ليس احترامًا لنفسه أو تاريخه وحسب، وإنما أيضًا اعتراضًا على عدم تنفيذ العدل الذي أمر به الله تعالى.
يُروى أن ابن بشير- قاضي قرطبة- حكم على الخليفة عبد الرحمن الناصر في قضية رفعها عليه أحد المستضعفين من الرعية، وأُبلغ الخليفة الحكم مقرونًا بالتهديد بالاستقالة إذا لم يُسلَّم الحكم ويبادر إلى تنفيذه (7).
وتخاصم رجلان إلى قاضي مصر إبراهيم بن إسحاق، فأمر بكتابة الحكم على أحدهما، فتشفَّع المحكوم عليه إلى الأمير، فأرسل الأمير إلى القاضي يأمره بالتوقف عن الحكم إلى أن يصطلحا، فترك القاضي ابن إسحاق القضاء، وأقام في منزله، فأرسل إليه الأمير يسأله الرجوع، فقال: لا أعود إلى ذلك أبدًا؛ ليس في الحكم شفاعة (8).
وحدث لبرهان الدين بن الخطيب بن جماعة- أحد قضاة مصر- أن عارضه محب الدين- ناظر الجيش- في قضية، فقال: لا أرضى أن أكون تحت الحجر؛ وصرف أتباعه، وصرَّح بعزل نفسه، وأغلق بابه، فبلغ أمره الملك الأشرف، فانزعج، وما زال يسترضيه حتى قبل، واشترط أشياء تلقاها منه بالإجابة (9).
فيا قضاة مصر إنكم تستطيعون أن تنسوا الشعب الظلم الذي عاشه طوال ثلاثين سنة، بيوم واحد من العدل الذي هو ميزان الله الذي وضعه للخلق، ونصبه لإحقاق الحق؛ ولتعلموا أن العدل أحد قواعد الدنيا التي لا انتظام لها إلا به، ولا صلاح فيها إلا معه، والأمة تنظر إليكم فلا تخذلوها.
فلا تعدلوا- سادتنا القضاة عن الحق الذي تبيَّن لكم، ولا تحيدوا عن العدل الذي اطمأنت إليه نفوسكم، ومهما كان قدر ومنزلة الذي يريدكم أن تحيفوا عن الحق فلا تستمعوا له ولا تلتفتوا إليه.
----------
* الهوامش:
(1) عبد الرزاق الصنعاني، مصنف عبد الرزاق، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط 2، 1403هـ.
(2) وكيع، أخبار القضاة، تحقيق: عبد العزيز مصطفى المراغي، المكتبة التجارية الكبرى، ط 1، 1366هـ=1947م، 1/ 22
(3) الشيخ زهير الكبي، موسوعة خلفاء المسلمين، دار الفكر العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 1994، ج1، ص 121).
(4) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق: هشام سمير البخاري، دار عالم الكتب، الرياض، ط 1، 1423هـ/ 2003م، 15/ 190.
(5) محمد بن أبي سهل السرخسي، المبسوط، تحقيق: خليل محي الدين الميس، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ط 1، 1421هـ 2000م، 16 / 143.
(6) المنتظم في تاريخ الملوك والأمم: 11/ 247.
(7) نذير محمد مكتبي، صفحات رائعة في مسيرة العدالة، دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط1، 1419هـ،/ 1998م، ص 128، وعزاه المؤلف إلى: علي فكري، البيان الفاصل بين الحق والباطل، ص 218
(8) السابق، ص 130.
(9) السابق، ص 131، وعزاه المؤلف إلى: الإمام محمد الخضر حسين، رسائل الإصلاح، ص 85.
--------------
(*) صحفي مصري