لقد جمعت دعوة الإخوان المسلمين في مقومات العاملين بها ما بين البناء الإيماني الذي يحفظ للدعوة سمتها الرباني والمتمثل في (الفهم- الإخلاص- التجرد)، والبناء التنظيمي الذي يحافظ على الجماعة والمتمثل في (الطاعة- الثقة- الأخوة)؛ ما أثمر في أرض الواقع نتائج عملية حقيقية ممثلة في (العمل- الجهاد- التضحية- الثبات)، فاكتمل بهذه الأركان العشرة البناء لجماعة من المسلمين، واكتملت مقومات العاملين الصادقين لهذا الدين؛ الذين آمنوا بسمو دعوتهم وقدسية فكرتهم، وعزموا صادقين على أن يعيشوا بها أو يموتوا في سبيلها.
وكان من الأمور الأساسية الواجبة واللازمة حدوث حالة من التعارف المتين بين أبناء هذه الدعوة المباركة، يتيح لهم سلامة التصور وحسن الاختيار، ولهذا جعل الإمام البنا- رحمه الله- التعارف ركنًا من أركان الأسرة الإخوانية التي يحرص أبناء هذه الدعوة على تحقيقها في واقعهم العملي، وكان من وصاياه- رحمه الله-: أن يتعرف الأخ إلى كل من يلقاه من إخوانه، وعندما سُئل الإمام حسن الهضيبي- رحمه الله- من هم الإخوان المسلمون؟، قال: مجموعة من الناس أحبوا بعضهم، وانصهروا في بعض، ولعلنا إذا بذلنا الجهد والوقت لتحقيق التعارف الشامل الكامل الذي يشمل الجوانب الفكرية والنفسية والسلوكية لبعضنا البعض نكون بذلك قد وضعنا الأساس المتين الذي يقوم عليه البناء كله.
التواصل الفعال:
ويعد التواصل الفعال أمرًا يشمل الحوار المبني على الوعي العميق، والفهم الدقيق، وحرية تبادل الآراء، ومناقشتها في جوٍّ من الود والمحبة والصفاء، وملتزمًا بالآداب الإسلامية الأصيلة؛ هو الأساس لتكوين رؤية واضحة لما يحمله الأفراد من آراء وأفكار، ما يسهم في تحقيق التواصل الفكري والعقلي بين الأفراد بعضهم البعض، وبينهم وبين القيادة بجميع مستوياتها في إطار من التجرد لله في اختياراتنا دون الميل القلبي أو التعلق بالأشخاص أو التأثر بالأهواء، بل الحرص الشديد والتجرد الدقيق وطلب العون والتوفيق من الله لحسن الفهم وتقدير المواقف، وعندما نتحدث عن بعض الأخطاء التي قد تحدث أثناء الممارسات القيادية؛ فإننا ندرك بشرية هؤلاء القادة، ونعلم أنهم قد يصيبون أو يخطئون؛ ولذا فإنهم في أمس الحاجة إلى المراجعة والتناصح، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا من خلال تحقيق التواصل الفعال مع هؤلاء القادة؛ حتى تكون قلوبهم مفتوحة ومهيأة لتلقي النصيحة اللازمة في جوٍّ من الحب والود والوفاق.
التناصح السليم:
وتحقيق التناصح السليم من أهم الإجراءات المطلوبة لسلامة وحيوية العمل الجماعي، وذلك تطبيقًا للحديث الشريف عن تميم بن أوس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الدين النصيحة"، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: "لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم" رواه البخاري ومسلم.
(ولأئمة المسلمين)، والمراد بهم العلماء والأمراء على السواء، فالعلماء هم أئمة الدين، والأمراء هم أئمةُ الدنيا، فأما النصح للعلماء: فيكون بتلقِّي العلم عنهم، والالتفاف حولهم، ونشر مناقبهم بين الناس، حتى تتعلَّق قلوب الناس بهم، ومن النصح لهم: عدم تتبع أخطائهم وزلاتهم، فإن هذا من أعظم البغي والعدوان عليهم، وفيه من تفريق الصف وتشتيت الناس ما لا يخفى على ذي بصيرة.
ولأهمية هذا الحق للأمة نجد أن أبا بكر الصديق يؤكد هذا الحق في أول خطبة له في الخلافة قائلاً: "أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعةَ لي عليكم"، وقال عمر: "إن وجدتم فيّ عيبًا فقوموني"، وحينما قام أحد المسلمين ليقول له "لو وجدنا فيك عيبًا لقومناه بسيوفنا".. لم يغضب عمر من هذا التجاوز في التعبير عن الرأي، ولكنه قال: "الحمد لله الذي جعل من أمة محمد صلى الله عليه وسلم مَن يقوِّم اعوجاج عمر بسيفه".
ومن أجمل أقوال الإمام ابن حزم: "وإذا نصحت فانصح سرًّا لا جهرًا، وبتعريض لا تصريح إلا أن لا يفهم المنصوح تعريضك فلا بدَّ من التصريح، ولا تنصح على شرط القبول منك، فإذا تعديت هذه الوجوه فأنت ظالم لا ناصح، وطالب طاعة وملك لا مؤدي حق أمانة وأخوة".
ويقول ابن حزم أيضًا:- "من طوى من إخوانك سره الذي يعنيك دونك أخون لك ممن أفشى سرك؛ لأن من أفشى سرك فإنما خانك فقط، ومن طوى سره دونك منهم فقد خانك واستخونك".
وكان من توجيهات الإمام البنا- رحمه الله: (انصح أخاك سرًّا، واصبر عليه شهرًا، ثم أبلغ مسئوله)، ولعلنا نشاهد الآن ما قد يحدث من البعض من إثارة الأقاويل، وتناول ذلك بأسلوب وصور غير مناسبة؛ ما قد يترك الأثر السلبي في نفس المنصوح دون بذل الجهد لتبيان الحقيقة من صاحبها أو تقديم النصيحة الرقيقة المناسبة له دون إعلان أو تشهير، ولذا فإن من أولوياتنا تنقية المناخ، وإشاعة جو من النصيحة الصادقة الخالصة.
قال الشاعر:
أحب مكارم الأخلاق جهدي وأكـره أن أعيب وأن أعابا
وأصفح عن سباب الناس حلما وشر الناس من يهوى السبابا
ومن هاب الرجال تهيبوه ومن حقر الرجـال فلـن يهـابا
التعاون المتواصل:
ربما قد يكتفي البعض منا بتقديم النصيحة دون بذل الجهد لمعاونة المنصوح على التحلي بما ينصح به، ومن هنا وجب علينا أن نتقدم للدعم والمساعدة والمعاونة الجادة؛ حتى تثمر النصيحة، ويكون لها أثرها الفعال في الارتقاء بجوانب ومجالات العمل المختلفة.
التغافر الجميل:
إن التغافر ملازم للتناصح، فربما قد يصيب الناصح بعض الألم أو الأذى مما قد يتعرض له أثناء قيامه بالنصيحة، ولذا لزمه التغافر القلبي قبل اللفظي؛ لأنه يعلم أن الله يعلم السر وأخفى.
وفي كتابه الرائع "العوائق" كتب الشيخ الراشد: "فلماذا التعاتب المكفهر بين الإخوان؟؛ كل منهم يطلب من صاحبه أن يكون معصومًا، أليس التغافر أولى وأطهر وأبرد للقلب؟ أليس جمال الحياة أن تقول لأخيك كلما صافحته: رب اغفر لي ولأخي هذا، ثم تضمر في قلبك أنك قد غفرت له تقصيره تجاهك؟ أو ليس عبوس التعاتب تعكيرًا تصطاد الفتن فيه كيف تشاء؟ بلى والله.
والعجيب هذا الوصف البديع للراشد للفارق الكبير بين التعاتب والتغافر، الفارق كبير أن يحدث لك تقصير من أخ تعاتبه ثم تضمر في قلبك أنك غفرت له تقصيرك نحوه، ما أحوجنا إلى إعادة إحياء هذا الخلق العالي بيننا؛ خلق التغافر!.
فلا تخدش أيها الداعية، بالله عليك، وجه محبة منيرة ما زلت فذًّا فيها والناس من حولك تستهلكهم العداوات، وإلا وضعت نفسك على شفير الاستهلاك..
آليات المتابعة والمحاسبة:
في كتابه (مذكرات الدعوة والداعية)، يقول الامام حسن البنا- رحمه الله- عن خطورة الابتعاد عن الصف: "والصالح الذي لا يحترم النظام، ولا يقدِّر معنى الطاعة، فإن هذا ينفع منفردًا، وينتج في العمل وحده، ولكنه يُفسد نفوس الجماعة: يغريها بصلاحه، ويفرقها بخلافه، فإن استطعت أن تستفيد منه وهو بعيد عن الصفوف فافعل، وإلا فسَدَ الصف واضطرب، والناس إذا رأوا واحدًا خارج الصف لا يقولون خرج واحد؛ ولكن يقولون صف أعوج، فاحترس من هذا كل الاحتراس".
ويقول الدكتور أحمد عبد العاطي في رسالته الأولى إلى شباب الإخوان: "ولا يشترط أن نتفق جمعيًا مع كل قيادة مرحلة في خطواتها، ولكن علينا أن ننصحها وندعمها وندعو لها ونراقبها ونحاسبها، فإن أصابت فبها ونعمت، وإن أخطأت فستتحمل مسئوليتها، وتتغير ونستفد نحن من التجربة.
وإلا فما مفهوم العمل الجماعي الذي ظللنا أعوامًا نتدارسه، فلعل هذا أول المحكات الكبرى في مناخ يسمح بالحركة وتعدد الرؤى لترجمة المبادئ.
وهنا قد يتهمني البعض بأن هذا طريق طويل وشاق، فلماذا كل هذا؟ فلنبق أصحاب فكرة واحدة ولكن مشروعات مختلفة، وهو المخدر الرائج الآن لتسهيل الانزلاق نحو الخارج دون عبء نفسي على من ارتبطت أوشاجه بنسيج الجماعة، ولكن ردِّي عليه أن صبرنا على التجارب الجديدة وإن أيقنا بخطئها دون أن نفتت الجهود في مرحلة غير مستقرة أولى من المشروعات الجزئية الصغيرة التي تنبت خارج الرحم في مناخ غير طبيعي".
ويستوقفني بداية عبارة أن "لكلِّ قيادة مرحلة في خطواتها"، وهذا يوضح الواقع من أن كل مستوى قيادي له مهام محددة وصلاحيات منوطة به؛ ولذا يجب علينا معرفتها قبل أن نقوم بالمتابعة والمحاسبة، وهي تعرف في العلوم الإدارية بأسس المساءلة أو أهمية وضوح المهام والاختصاصات.
كما أن كل مستوى قيادي في أمسِّ الحاجة للمتابعة وتقويم الأداء؛ ولذا حددت الجماعة لكلِّ مستوى قيادي مستوى شورى يقوم بالمراجعة والتقويم المستمر، وأيضًا مستوى قيادي أعلى يرجع إليه لتصحيح الأمور والحزم إذا لزم الأمر.
ولكن هذا لا يعني عدم المراجعة من الأفراد داخل الصف، ولكن الأمر يحتاج إلى وضوح المرجعية الحاكمة، بمعنى أننا عندما نقوم بدورنا وواجبنا في مراجعة ومتابعة أي مستوى قيادي؛ علينا أن ندرك ونستوعب نظم ولوائح الجماعة والمبادئ والقيم الحاكمة لها، حتى نستطيع أن نقوم بهذا الدور وفق أسس ومعايير لا يختلف أحد حولها.
وتبقى كلمة أخيرة لا بدَّ من عرضها، وهي أهمية الدور المؤسسي داخل دار الإخوان أو بعبارة أخرى "المؤسسية الحاسمة" بعد بذل الجهد والوقت في القيام بواجب المتابعة والتقويم، ثم تقديم التوجيه والتذكير الدائم، فإذا تمَّت الاستجابة والتصحيح يكون قد تحقق المراد، وقد يتطلب الأمر الحسم إذا لزم ذلك، وهذا يتطلب قيام المؤسسات الشورية والقيادية بدورها في إرساء المبادئ والقيم والنظم واللوائح في ضوء الواقع والحقائق الواضحة التي لا لبس فيها أو غموض، وبعيدًا عن الأهواء الشخصية أو العصبية المقيتة، بل يكون ذلك كله في جوٍّ من الحب والود والأخوة التي تربينا عليها.
أحسب أننا قادرون- بإذن الله تعالى- على التغلب على كثيرٍ من إشكاليات التطبيق والتنفيذ، إذا استطعنا تحقيق مثل هذه الآليات المقترحة، من أجل حسن اختيار القيادات وممارسة الشورى وفق أسس واضحة، والقيام بدورنا في التناصح والتذكير الدائم، وأيضًا القيام بدورنا في المتابعة والمراجعة الصحيحة، ووفق المرجعية الحاكمة والمؤسسية الملزمة الحاسمة.
وأسأل اللهَ القدير أن يلهمنا التوفيق والسداد..
--------------------------
المصادر:
1- مقومات البناء التنظيمي.. بين التأصيل والتطبيق .. د/ محيي حامد.
2- رسالة أولى إلى التيار المصري. بقلم :د/ أحمد عبد العاطي،
3- درر من كلام ابن حزم في الأخوة والصداقة والنصيحة، من جزء مداواة النفوس.
4- التناصح والتغافر (نظرات تربوية في كتاب العوائق للشيخ الراشد).
5- الولاء- د. محمود غزلان.