لا يستطيع أحد أن ينكر ما طرأ على منابرنا من خلل، وما أصاب مساجدنا من غياب عن مواكبة قضايا العصر، وواقع الحياة؛ ما دفع البعض إلى الدعوة إلى ضرورة تطوير الخطاب الديني، وإعادة النظر في أسلوب الدعوة وطرائق الدعاة.
وعلى الرغم من جمال كلمات التطوير والتحديث والتجديد، وما تحدثه في النفس من إغراء وقبول، وعلى الرغم من إلحاح بعض المخلصين بضرورة التطوير والتجديد، فإن الذي نرفضه وننكره أشد الرفض وأشد الإنكار هو أن يأتي هذا التطوير والتجديد من جهات ليست حسنة النية ولا سليمة القصد؛ لأن ذلك يعني التدخل الوقح في أخص شئون الإسلام والمسلمين.
وإذا كنا نرفض هذا النوع من التدخل في أداء منابرنا، وتعميق عقائدنا، فإن هذا يضع على عواتقنا مهمة النصح والإخلاص في ضرورة تصحيح الأمر بما لا يدع مجالاً لتدخل الآخرين، سواء كانوا مغرضين أو مخلصين.
فهل حقًّا تؤدي منابرنا دورها على الصورة التي يحبها ربنا سبحانه وتعالى ويرضى عنها نبينا صلى الله عليه وسلم؟!.
وهل لا تزال هذه المنابر تقود الأمة، وتوجه أحداثها، وتصنع لها فكرها ومجدها؟!.
وهل حقًّا نمتلك المساجد التي تعلن الحرب، وتجيش الجيوش، وتعلن المقاطعة، وتُصنع من خلالها أخطر قرارات الأمة، كما رأينا في المسجد الأموي بدمشق، يوم قام على منبره شيخ الإسلام "عز الدين بن عبد السلام"؛ فأعلن المقاطعة والمواجهة للفرنجة، برغم التحالف الشائن القبيح الذي عقده معهم الملك الصالح إسماعيل فاستجابت له الأمة، وقاطع الناس الفرنجة، وحاصروهم، وضيقوا عليهم حتى أهلكوهم جوعًا وعطشًا، ولم يجدوا أمامهم إلا الفرار.
ومثل المسجد الأزهر، الذي فجر ثورتي القاهرة الأولى والثانية من فوق منبره، وأثار الأمة على الفرنسيين، وألجأهم إلى الفرار، ومغادرة الديار.
وفجر الثورة المصرية الرائعة سنة 1919م التي زلزلت كيان الاستعمار الإنجليزي، وأشعرته بالرعب فلم يملك أمام غضبة المسجد إلا الانحناء، وهل ينسى أحد دور الأزهر في معركة القناة أمام التحالف الشيطاني والعدوان الثلاثي عندما أراد قائد الأمة يومها أن يثير كوامنها ويهز كيانها ويستنهض همتها، ويحرك وجدانها، فلم يجد أمامه إلا منبر الأزهر، فأعلن من فوقه الحرب على الغاصبين.
فهل ما زالت مساجدنا قادرة على أداء هذا الدور، وهل هي مخيرة في أدائه أو تركه؟ أم أن غياب هذا الدور غياب لعزة الأمة وقوتها، وتضييع لرسالتها وسيادتها؟!.
إن واقع الحال ينهض بالجواب، بأن المساجد لم تعد كذلك، فهل فكرنا في أسباب هذا الغياب؟
هل هو راجع إلى الجهاز الدعوي الذي لم يرتفع بمستوى الخطباء ماديًّا ومعنويًّا؟ أم إلى الخطباء الذين لم يرتفعوا إلى مستوى الأحداث ثقافيًّا ودعويًّا؟
أم إن ذلك يرجع إلى مزاحمة المسجد بوسائل دعوية أخرى أكثر فعالية، وأشد إثارة، وأقدر على استيعاب الناس كالإذاعة والتلفاز والحاسب الآلى، وشبكات المعلومات؟!.
إننا إذا سلمنا بأن السببين الأولين لهما دخل في هذا الغياب فإننا لا نسلم بأن التقنية الحديثة بوسائلها المختلفة لها دخل في ذلك؛ لأنه لا غنى عن الكلمة المسموعة بأي حال من الأحوال؛ حيث سهولة التنفيذ، وسعة مساحة التأثير، وشمولها لعموم طبقات الأمة، وتفاوت مستويات السامعين، فضلاً عما تحدثه المشافهة والمباشرة من إحداث التفاعل بين الخطيب والمستمعين.
فإذا اتفقنا على خطورة المنبر كوسيلة للدعوة إلى الله لا تعدلها وسيلة، فمن هو الخطيب الذي ننشده، والذي يعيد للمنبر قوته، ويستعيد له هيبته ومكانته؟
يمكننا الآن أن نصنف الخطباء بحسب واقعهم الدعوي إلى أربعة أصناف:
خطيب منفر:
وهو الذي اضطرته ظروف العيش، وطبيعة الدراسة أن يكون خطيبًا ولو خُيِّر بين الخطابة وبين غيرها ما اختار الخطابة وسيلة عيش، أو وظيفة حياة، وأصبح على هذا المسكين أن يعاني الخطابة همًّا دائمًا، وعبئًا ثقيلاً، وبلاءً لا مفرَّ منه، فقد وضع موضع العلماء وهو ليس بعالم، ونزل منزلة القائد الديني وهو ليس بقائد، وافترض فيه أن يقوم مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يكفي الناس في دينهم وعقيدتهم وأخلاقهم وسلوكهم، وأن يكون مرجعهم في دينهم ودنياهم، وهو الذي لم يتأهل لذلك بهمة عالية ونفس سامية، وإيمان صادق، ويقين ثابت، وحب خالص لله، وإنما هو رجل من غمار الناس وعوامهم، لا يتميز عنهم بحفظ القرآن، أو علم السنة، أو انجذاب إلى أدب العرب وبلاغتهم وتاريخهم، ولهذا تراه إذا ارتقى المنبر لا تملؤك طلعته، ولا تدهشك هيبته ولا تعجبك هيئته، فإذا تكلم فإنه لا يقيم جملة واحدة صحيحة على قواعد العربية، وإذا قرأ القرآن بدا لحنه فاحشًا جليًّا، وإذا استدل بحديث غاب عنه لفظه، واستعصى عليه معناه، وأشد من ذلك بلاءً أنه لا يتحرى صحة الحديث، ويحلو له الإتيان بالغرائب من القصص التي لا تعقل ولا تقبل، بل إن ذكرها ينزل بهيبة الدين وعظمة منهجه، ويغري السفهاء من الملحدين والعلمانيين وغير المسلمين بالطعن فيه والتحامل عليه.
ومثل هذا الخطيب- وإن أجازه جهاز الدعوة الذي وضعه- فإني أنصحه أن يمتهن مهنة أخرى غير الدعوة إلى الله؛ لأن الدعوة إلى الله ليست مجرد وظيفة أو حرفة، وإنما هي علم وأبوة، وقيادة وتميز، وعطاء لا يعرف الحدود، ومن لم يكن كذلك فلن يستطيع أن يتحمل هذا العبء العظيم مهما ملك من الثقافة، إلا إذا استشعر جلال الهمة وعظمة الأمانة، فانفعل قلبه، واستيقظ ضميره ورق فؤاده، فأخذ يعدل من أمره، ويقوي من همته، ويشحذ من عزيمته، ويقصد بعمله وجه الله فإنه ينتقل إلى الصنف الثاني، وهو:
الخطيب المتعثر:
وهو شاب طموح مخلص مهتم بدعوته، استفاد من دراسته على قدر ما وجد فيها، وحفظ من القرآن ما تيسر له منه، وحرص على أن يكون متميزًا في حدود طاقاته وقدراته، واستطاع أن يجتاز اختبار السباق للوصول إلى وظيفة إمام وخطيب، وأصبح عليه أن يعرض عقله وفكره على الناس مرة في كل جمعة؛ فاستعان بالله وبدأ العمل، مستفيدًا من رصيده في دراسة قواعد اللغة، محاولاً أن ينقل ما استطاع من هذه القواعد إلى حيز التطبيق العملي، وعلى الرغم من وقوعه في بعض الأخطاء فإنه دائم التقدم نحو الأفضل، وهو بجانب ذلك حريص على أن يزيد رصيده من حفظ كتاب الله، وحسن تلاوته وإتقان تجويده، فقد لمس من نفسه الرغبة في الانطلاق، لكن الشواهد القرآنية لم تكن كافية، والآيات لم تكن مواتية، وإنه عظيم الاهتمام بخطبته، يتعب نفسه في إعدادها، وجمع مادتها، وتحديد أهدافها، تشعر عند سماعه أنك مشفق عليه، ففي خطبته مرارة، وفي قلبه حرقة، له قضية تشغله، وهم يؤرقه، لكنه لا يملك من وسائل البيان ما ينهض بنقل تلك الحرارة، وترجمة هذه الأحاسيس.
ومثل هذا الرجل على خير كبير؛ لأنه يملك الروح فيمكنه استكمالها بقراءة العلوم الشرعية، من تفسير وحديث وفقه وعقيدة، والعلوم اللغوية من أدب ونحو وبلاغة وبيان، كما يمكنه العيش في ظلال القصص القرآني والنبوي، وكثرة المصاحبة لسير الصالحين والدعاة الربانيين فإن فعل ذلك فقد انتقل إلى الصنف الثالث وهو:
الخطيب المؤثر:
ولا أظنك بحاجة إلى أن أعرفك بهذا الصنف من الرجال؛ فهو رجل نضجت ملكاته، واكتملت أدواته، وتمرس بفنون القول حتى نمت لديه ملكة، وصارت الخطابة لديه سليقة، ولهذا الصنف من الخطباء سمات في ظاهره، وصفات في باطنه، فأما سمات الظاهر: فبشاشة الوجه، ونظافة الثوب، وطيب الرائحة وجمال المحيا، وحسن المظهر، وجهارة الصوت، وقدرته على التحكم في درجاته، وتنظيم انفعالاته، ومعايشته لمعاني القول حدة وهدوءًا.
والخطيب المؤثر له صحبة مع القرآن، يحفظ آياته، ويحسن تلاوته، ويدرك مقاصد الآيات وأسباب النزول، كما يعرف عن كتاب الله مفصله ومجمله، ومتشابهه ومحكمه، وناسخه ومنسوخه، وهو بجانب علمه بآيات الله، يعيش هذه المعاني القلبية بروحه، ويجد حلاوتها في قلبه، فهو إذا قرأ القرآن حسبته يخشى الله؛ انكسارًا له، ووجلاً منه، ورجاءً فيه، وتوكلاً عليه.
وله صحبه مع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يتحلى بمعرفتها، وإقامتها في نفسه، وله قدرة على تمييز الصحيح من السقيم بحس إيماني وإلهام رباني، وعلم بأصول الحديث سندًا ومتنًا، ودراية ورواية، وهو مع علمه الشرعي فصيح النطق، صحيح اللغة، عالم بقواعد العربية، مدرك لجمال التعبير وبلاغته، حافظ لأشعار العرب وخطبهم وقصصهم وأمثالهم.
وهو بجانب هذا كله يعيش الواقع، ويواكب الأحداث، ويسبق إلى تناولها، وإظهار رأي الدين فيها، وموقف المسلمين منها، كل ذلك في ذكاء نادر، ووعي عميق.
إنه قادر إذا تكلم أن يسلب لُبَّك، وأن يدهش عقلك، وأن يملأ قلبك، لكنه مع ذلك كله إذا نزل عن منبره أو انتهى من خطبته، سلم على الجميع مودعًا، حتى يلقاهم في الخطبة القادمة، أو في الدرس القادم، شاعرًا في نفسه أنه أدى واجبه، وأراح قلبه، وأرضى ضميره، وأعذر إلى ربه، وأنه بفعله هذا صار وارثًا لنبيه ومبلغًا عن ربه، ثم يغلق المسجد، وينفض الجمع متحدثين بمهارة الخطيب وفصاحته وسعة علمه وإحاطته، ولو سألت واحدًا من هؤلاء المتأثرين عن شيء مما قاله خطيبنا المبجل، وشيخنا الجليل، ما استطاع أن يعيد على سمعك جملة من أقواله، ولا فكرة من أفكاره، لكنه لن ينكر أبدًا أنه أحس بالنشوة، وشعر بالراحة، واستشعر المتعة بهذا الوقت الجميل.
أما إذا رأيت الرجل بعد أن انتهى من خطبته، جلس بعد الصلاة ليشرح مراده، ويحدد مقاصده، ثم يحول مقاصده تلك إلى توصيات قابلة للتنفيذ والتقويم، إذا رأيت الرجل يفعل ذلك، فاعلم أنك أصبحت أمام رجل يفوق من سبق جميعًا، إنك إذن أمام خطيب من الصنف الرابع، وهو:
الخطيب المغير:
وهو رجل نظلمه كثيرًا إن قصرناه على الخطابة، أو حصرناه ضمن منظومة الخطباء، وإنما هو داعية جعل الخطابة بعض وسائله أما همته فأعلى من الخطبة، وأما أثره فأوسع من المسجد، وأما شخصيته فأكبر من كونه موظفًا، ينتظر على عمله أجرًا من الدولة أو ثناءً من الناس، إنه يستشعر الهم الدائم على هذا الدين، يستمد منه قوته، ويشحذ به عزته، ويشعر أنه المسئول عنه وحده أمام الله.
روحه معلقة بالمسجد، لا يخرج منه إلا ليعود مشتاقًا إليه، فالمسجد داره ومدرسته، ومؤسسته وإدارته، والناس في المسجد جميعهم إخوانه، فالكبار آباؤه، والصغار أبناؤه، والشباب أصدقاؤه. ولكل واحد منهم مكانته في قلبه، إنه يتفقد غائبهم، ويزور مريضهم ويواسي مكروبهم، ويكفل يتيمهم، ويكسو عاريهم، ويطعم جائعهم، كل ذلك في سماحة نفس، وبشاشة وجه، وطيب قلب، وتودد لهيف.
وهو مع ذلك كله مشفق من ذنبه، خائف من ربه، يجد سعادته في سعادة من حوله، ورضاه لا يكمل إلا برضاهم، يتمنى لو وسع الناس جميعًا بماله، وغمرهم بحنانه، واستوعبهم بدعوته، ولو حاولت أن تجد له وصفًا يحدده ما وسعك إلا أن تقول هو رجل "وقف لله تعالى".
ولعلك أدركت الآن يا أخي: أن "الداعية غير الخطيب، فالخطيب خطيب وكفى، أما الداعية فمؤمن بفكرة، يدعو إليها بالكتابة والخطابة والحديث العادي والعمل الجدي في سيرته العامة والخاصة، وبكل ما يستطيع من وسائل الدعاية فهو كاتب وخطيب، ومحدث وقدوة، يؤثر في الناس بعمله وشخصه.. والداعية أيضًا طبيب اجتماعي يعالج أمراض النفوس، ويصلح أحوال المجتمتع الفاسدة، فهو ناقد بصير، يقف حياته على الإصلاح ما شاء الله.. وهو رفيق وصديق، وأخ للغني والفقير، والكبير والصغير، ومن هذه الصفات تشع المحبة في قلبه، وتتدفق الرحمة من عينيه، وتجري المواساة على لسانه ويديه، وهذا ضروري جدًّا للداعية، وهو من مواهب الروح والجنان لا من صفات البلاغة وملكات اللسان.. والداعية قائد في محيطه، وسياسي في بيئته، وزعيم لفكرته ومن يتبعه في ناحيته.
وكل هذا لا تنهض الخطابة وحدها بحقوقه، فلا بدَّ له من التأثير النفساني، والهيمنة الروحية، والاتصال بالله، واستعانة العقل بما حصل من تجارب التاريخ وأحوال الناس(1).
فهل تملك القوة النفسية يا أخي لتكون من أهل هذا المقام؟ هذا ما نرجوه منك، ونأمله فيك، فاعقد نيتك، واشحذ همتك، واطلب العون من ربك. وضع نصب عينيك، هذا البيان الإلهي الذي يرسم لك الهدف، ويوضح الطريقن ويحدد العلاقة بينك وبين من تدعوهم عندما يخاطبك ربك بقوله:فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمْ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15) (الشورى).
---------------------
( ) تذكرة الدعاة، البهي الخولي- مكتبة الفلاح- الطبعة السادسة ص 6.