لا شك أن القوات المسلحة المصرية لعبت دورًا محوريًّا في عبور الشعب المصري بثورته في 25 يناير إلى مستقر واضح المعالم، ولم تسقط في وحل مستنقعات نرصدها في اليمن وليبيا وسوريا، وهو دور موازٍ لبطولات الشعب المصري بكل أعماره وأفكاره؛ بحيث تجمعت الأدوار لتصنع ثورة شعب ستظل خالدة ومؤثرة وموجعة لكل الطغاة والأعداء، على رأسهم العدو الصهيوني.

 

هذا الدور منح القوات المسلحة صفة الشريك، وإدارة البلاد لا الحكم، في فترة انتقالية رسمها الشعب في استفتاء تاريخي، وحددها عبر إطار قانوني منضبط لبناء المؤسسات وسرعة عودة القوات إلى الثكنات تعزز هيبة مصر وقوتها أمام الخارج المعادي بالتوازي مع بناء شعبوي نخبوي للنهضة يعزز قوة داخلية لهذا الوطن المفدَّى.

 

ودارت سجالات عنيفة وتلقَّى الجيش اتهامات حادة، من بعض الراسبين في امتحان الاستفتاء، كان أقلها أنه عقد صفقة مع الإخوان المسلمين، نفاها الجيش والجماعة معًا، إلا أنها أضحت ورقة ضغط من هذه القوى في كل أبواقهم للأسف، وتحولت الاتهامات في أحيان كثيرة إلى محاولات من المتطرفين للوقيعة بين الجيش والشعب باستخدام أساليب دنيئة رفضها كل المعتدلين والشرفاء.

 

إلا أن ما يتم رصده في الفترة الأخيرة يضع علامات استفهام من منطلق الشراكة والاحترام المتبادل على أداء المجلس الأعلى للقوات المسلحة، تداولها الشارع بعلامات تعجب كثيرة آخرها رصدتها مع تاجر أخشاب جلس معي أكثر من نصف الساعة يضرب كفًّا بكف من تراجع المجلس لصالح تنفيذ مطالب أصحاب الصوت العالي التي تبتعد في أحيان كثيرة عن مطالب الثورة، على حد تأكيده.

 

من حقنا على الشريك أن يوضح للشعب موقفه جيدًا، ولماذا لا يتم الحسم في عدد من الملفات التي رسمها الاستفتاء على التعديلات الدستورية؟ ولماذا لا يتم الحسم في موعد الانتخابات والاكتفاء بإنهاء إجراءاتها في سبتمبر فقط وتأثير إطالة الفترة الانتقالية في البناء وإدارة البلاد؟ لماذا لا يتم التعامل بوضوح في ملف محاكمة مبارك والرفاهية التي يتلقاها في شرم الشيخ وتثير غضب الثوار؟

 

لماذا لا يجيب عن تخوفات عم محمود "سائق التاكسي"؛ الذي مكث يحدثني عن احترامه للجيش ودوره كثيرًا، ولكن لا يفهم ما يفعله المجلس مع مبارك، إلا من زاوية العشرة وعدم محاكمته وتركه للموت؟

 

لماذا لا يتفاعل المجلس مع مطالب 28 حزبًا ضمهم التحالف الديمقراطي في مواصفات قانون مجلسي الشعب والشورى؟ ثم يصدر قانونًا بعيدًا عما تم من حدوث توافق حزبي عليه، وهي لحظة نادرة في عالم الأحزاب المصرية؟

 

لماذا يقحم المجلس نفسه في إصدار وثيقة مبادئ حاكمة للدستور تثير القيل والقال عن منحه لنفسه ميزة فوق دستورية وتفتح شهية رافضي هوية مصر الحالية للحديث المستفز عن هذه الهوية العظمى، رغم علمه أن أي محاولة لفرض وصاية على الدستور غير قانونية، فضلاً عن استنفارها للغضب الشعبي؟

 

لماذا لا يحسم موقفه من الأحاديث التي تواترت الآن عن ميله لأصحاب الصوت العالي بغرض الراحة، على حساب الشعب، الذي أعلن منذ تنحي المخلوع ثقته في القوات المسلحة لتدير البلاد في الفترة الانتقالية؟

 

إنني واثق تمامًا- مثل الملايين- في وطنية المؤسسة العسكرية وإخلاصها لكن هناك مواقف لا تقبل أنصاف الحلول ولا تعترف إلا بالحقوق، خاصةً إذا كانت تمس إرادة الشعب وهي مسئولية كبرى يجب أن يتم النزول على قراراتها؛ لأن الشعب هو المصدر الوحيد للسلطات.