للعبادة أهميتها في تكوين المسلم ليكون في ذاته عبدًا ربانيًّا يُسلِّم الوجه لله في كل حال، وفي تهيئته وإعداده ليصلح لدخول الجنة، وليصلح للتمتع بنعيمها.
والعبادة تُؤدى طاعةً لله، وهي مهمته ما دام هو موجود في كون ربه، قال تعالى: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58) (الذاريات).
فالعبادة أساس مهمة العبد، والله عنها غني وهو رازقنا تفضلاً منه جل جلاله، لم يخلق الله الإنسان للدنيا بل هي خُلقت له وما الدنيا إلا محطة يتزود منها بما يفيده في الآخرة والعاقل مَن يختار الزاد الأفضل، يعين على ذلك توفيق ربه، وقد قال يُوضِّح له أن الله هو غاية الغايات (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)) (التوبة).
الفطرة تهفو إلى إقامة العبادة لله وفق منهج الله، ونحن ندرك وجوده جل جلاله بذات الفطرة.
قال تعالى: (وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ) (الروم: من الآية 33).
قال تعالى: (وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (لقمان: من الآية 32).
وقال تعالي: (وَإِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ) (الإسراء: من الآية 67).
وقد سُئل جعفر الصادق عن الله فقال للسائل: ألم تركب البحر؟ قال بلى، فقال: فهل حدث مرة أن هاجت بكم الريح عاصفة؟ قال: نعم، فقال: وانقطع الأمل من الملاحين ووسائل النجاة؟ قال: نعم، فقال: فهل خطر ببالك وانقدح في ذهنك أن هناك مَن يستطيع إن شاء؟ قال: نعم، فقال: فذاك هو الله.
وبعد أن استقرَّ هذا في الخاطر، أن الذي أوجدني هو الله، وقد ميزني بالعقل وسخَّر لي الكون أدرك أن مهمتي في الحياة هي عبادته بما شرع، وشكره على ما وهب.. كما أدرك أن المصير إليه حسم في يوم له شهرته: (يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ (88) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)) (الشعراء)، وهناك (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه (8)) (الزلزلة).
فالإنسان الذي كرَّمه الله بالعقل وحسَّن صورته، لم يُخلق للدنيا بل خُلق لدار الخلود، وما هذه الدار إلا محطة للتزود بما يفيد، وتهيئة واستعداد للقاء كبير فيه يُجزى بما قدم: (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (19) (الأحقاف).
والعاقل مَن يتزود بزاد التقوى، متبعًا أوامر الله منتهيًا عن نواهيه، والدنيا وفرة بين يديه، يعدل نفسه ويصلحها حتى يليق بالخلود المنعم في الآخرة (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (15)) (محمد).
الخلاصة: إقامة العبادة أصل ذلك وأساسه، وهي ضرورة لازمة للعبد لصلاح دنياه ونجاة آخرته.