من يريد إثارة فتنة لن يقف خطيبًا ويفتح حنجرته على آخرها صائحًا: أيها الناس انتبهوا لأني أفتنكم.. أصول الشغل عند زرع الفتن تقتضي نعومة الحركة و"الدحلبة" والتسلل، والأهم من ذلك وجود بيئة تسمح بتلبيس الحق بالباطل، ملعقة من الحق تضاف إلى مكيال من الباطل وعلى نار هادئة تتم الطبخة، والمهم وجود حلقة من الجياع ينظرون في لهفة إلى الطاهي- الأوسطى الشيف- وهو يقوم بعملية الإنضاج، بعدها لن يندهش أحد وهو يرى التدافع والصياح إلى حد الهستيريا ممن غابت عقولهم وقادتهم بطونهم لتناول الطبيخ المسموم.
منذ قيام الثورة والبلد واقع تحت منخفض جوي سياسي واجتماعي واقتصادي لم يترك مربعًا من أركانها دون التعرض لعاصفة ما، وفي بعض الأحيان تنزل الشبورة الكثيفة التي تصل إلى حدِّ الضباب على عموم أرجاء الكنانة، فتنعدم الرؤيا تمامًا ويصبح التخبط هو سيد الموقف.
لم تكن الثورة عملاً أرعن، أو خروجًا أهوج بلا عقل، أو اندفاعًا نحو التهلكة بلا عائد، أو مخاطرة أقرب إلى الانتحار غير محسوبة التكاليف.. بالعكس كانت مصر كلها تدرك وتعلم علم اليقين وعين اليقين أنها ستنتصر، وعليها أن تدفع ثمن الحرية من دماء شهدائها؛ لأن هذه هي سُنَّة الكون، وما كان نضال الإخوان وثباتهم في مواجهة عصور القمع والاستبداد إلا عن يقين بأن النصر لا بدَّ آتٍ وأنه قريب؛ لأنه بكل بساطة وعد من رب العالمين.. لم يكن ثباتًا بلا منطق، ولا جهادًا بلا فكر وتخطيط، وهنا لا بدَّ من التنويه والإشادة بكلِّ شركاء الوطن الذين رفضوا الظلم والقهر ووقفوا جميعًا في خندق الوطنية، واجتمعوا على أن مصر العظيمة لا تستحق الهوان والتقزيم.
دعونا ننتبه إلى أن أهم المبادئ الثورية التي أدَّت إلى نجاح 25 يناير هو الإجماع على هدف واحد يتعلق باسترداد الحرية المغتصبة، والدفاع عن الكرامة المهدرة، ضد الظلم والفساد، عندها حققت الثورة أكبر أهدافها، أما عندما تعددت المنابر واختلفت الرؤى واختلت الثقة وغابت الشفافية ولعب الشك في وجود اختراقات ودخلت الأيديولوجيات والأهواء على الخط؛ تبين أن بعض المواقف تتوارى خلف أوراق من التوت، تعرِّي أكثر مما تستر، حتى إن ادعى أصحابها- بحسن نية أو بغيرها- بأنها "الثورة أولاً أو آخرًا"، أو أنهم يتحدثون باسم الشعب ويمثلون تياره الغالب بدون دليل أو "أمارة".
دعونا ننبه إلى أن الثورة ليست حالةً مَرضِيّةً مزمنةً تصاحبها نوبات مستمرة من الرفض لكل شيء في تشنج وعصبية وصراخ زاعق.. الثورة ليست سباقًا في التصعيد ورفع سقف المطالب من غلق مجمع التحرير إلى العصيان المدني إلى وقف الملاحة في قناة السويس، وتعطيل البورصة، نهايةً بطلب لبن العصفور.. الثورة هدفها أكبر من المطالبات المرحلية.. الثورة فعل وعمل وبناء، وعلى رأي إمامنا الشعراوي: "الثائر الحق هو من يثور ليهدم الفساد ثم يهدأ ليبني الأمجاد".
إذا أردنا أن تنقشع الشبورة ويختفي الضباب فعلينا أن نرجع إلى أصل المشهد، عندما انهزمت قوات شرطة النظام ونزلت القوات المسلحة إلى الشارع؛ كان أمامها واحد من ثلاثة خيارات: إما أن تضرب في المليان تنفيذًا لأمر قائدها الأعلى، أو تقف على الحياد تاركةً المجال لحرب أهلية بين الثوار وفلول النظام من بلطجية ووحوش أمن الدولة تموِّلهم ثروات منهوبة ومخابرات أمريكا والعدو الصهيوني، وهما خياران كلاهما مرٌّ، من شأنه دموية المشهد، وفوضى ودمار، وربما أدى إلى تفكك المؤسسة العسكرية وانهيارها في النهاية، إلا أنه مما يحسب لهؤلاء الضباط الوطنيين أنهم "حسبوها صح" وانحازوا إلى أهلهم وشعبهم.
هذا موقف أضعه شخصيًّا ولا ألزم به أحدًا فوق رأسي إكبارًا وحبًّا، ومن هذا المنطلق أعترض على بعض مواقفهم ولا أرضى عن بعض الآخر، وأقدم التماس العذر والبحث عن المبرر وتقديم النصح المصحوب بالاحترام.. هذا رأيي.
رجال المجلس العسكري ليسوا ملائكة ولا ثورًا أبًا عن جد، ولكنهم تربوا على نظام منضبط من الأوامر والنظام.. أما رئيس الوزراء فليس عفريتًا من الجن أو عنده علم من الكتاب ووزراؤه ليسوا من طراز "السوبر مان"، ولا يملكون مصباح علاء الدين، وإنما الجميع بشر، دفعتهم الأقدار إلى مواقعهم، ورثوا مؤسسات للدولة فارغةً من مضمونها، يقوم على شئونها مسئولون فرز أمن الدولة، وعلى دين مبارك من التعالي والنفخة الكدَّابة وحبِّ المظاهر واحتقار المواطن.. جهاز حكومي تشوَّه بالفساد والطناش واللا مبالاة، وتغلغل العفن في عمق صفوفه وفي كثيرٍ من المواقع استقر في النخاع.. بيروقراطية لا خبرة لها إلا في تعطيل المراكب ووضع العصا في العجلة استعصت على الإصلاح وفشل معها الوعظ والإرشاد في غياب من المساءلة الحقيقية واختفاء القدوة الصالحة... هذا الجهاز الإداري مخترع عبارات "فوت بكره" أو "فوت أمس"، و"فتح عينك تاكل ملبن" و"أبّجني تجدني" في حاجة إلى الهز بعنف والفرز المستمر والتخلص من لوائحه المتخلفة، وثورة إدارية حقيقية، وعلاج يحتاج إلى وقت وحنكة حتى لا تنهار الدولة.
تنتابني رغبة عارمة في التخلص من كبار الموظفين والمئات من ضباط الشرطة، وإقامة مجزرة تنال من رقاب طالما حملت رءوسًا استعلت واستكبرت في عتوٍّ وتنطُّع.
لست وحدي من يحلم بوطن تسود فيه العدالة.. المسئول فيه يشعر بأنه خادم لأبسط مواطن، هذا الحلم لن يتحقق بالهتاف أمام مجلس الوزراء "قاعدين ليه.. قوموا روحوا"، يُستجاب له باستبدال وزير بوزير أو رئيس وزارة بآخر.. هذا أسلوب وتلاعب ينتمي إلى عهد مبارك لامتصاص الغضب والتحايل، ولكن تتحقق أهداف الثورة بوصولها إلى كل فرد من هذا الشعب.. عندما يلتزم سائقو السيارات- وبخاصةٍ سائقو الميكروباص- بقواعد المرور بلا سباب أو بلطجة، وعندما لا ينتهز الفلاح غياب الشرطة فيزرع الأرض الخصبة- تبديدًا لثروة لا تُعوض- في غابات من الطوب والإسمنت، وعندما يعلم الموظف والعامل أن الساعة ستين دقيقة، وأن يوم العمل هو 8 ساعات تتخللها ساعة للراحة وتناول الطعام وليس مكان العمل تكية وسبوبة مجانية للاسترزاق، وعندما تتخلص المدارس من "غُرز البانجو" وتستعيد دورها المفقود في التربية والتعليم.
تتحقق أهداف الثورة بقيام حكومة الثورة، وعندما يعلم الجميع أن بلدنا يتسع لنا جميعًا، ينال فيه المُجدُّ ثمرة عمله، ويقع المقصِّر في قبضة العقاب.. هذا لن يتأتى إلا بعبور الفترة الانتقالية سريعًا سريعًا و(رحيل) حكومة (الظهورات) المؤقتة المترددة وإنهاء خدمتها باستمارة (6) يعني مع ألفين سلامة.. حكومة الثورة لا تدفعها محاسن الصدف إلى سدَّة الحكم، وإنما تفرزها صناديق الانتخاب التي تمثل إرادة الشعب وتستمد قوتها وشرعيتها منه.. تلتزم بما قدمته من وعودٍ وبرامج تخضع للمساءلة والحساب تنال الثقة أو تُسحب منها داخل البرلمان وليس في الشارع والميادين.
كل ما نراه الآن من فتن وزرع ألغام هو محاولات ضارية لعرقلة الوصول إلى هذه الغاية التي حُرمنا منها أكثر من 60 عامًا، والتي- بالضرورة- ستنهي المستقبل السياسي لغير المأسوف عليهم من البهلوانات والمتآمرين.
فهل ينجح فلان وفلان في مسعاهم الشيطاني؟!
الذي أعلمه أن كيد الشيطان كان دائمًا ضعيفًا.