الكثير من الأسر في بداية تكوينها تحلم بالسفر للخارج، ويظل الحلم يراودها، ظنًّا منهم أنهم يودعون الهم والفقر في أوطانهم، ويقبلون على بحبوحة العيش ونعيم الدنيا وجنته؛ ولكن هذا الحلم الجميل سرعان ما تعترضه المنغصات والمشاكل، وتكتشف الأسرة-ممثلة في الأب والأم- أن المشاكل تداهمها من قريب وبعيد، وتتجمع عليها واحدة تلو الأخرى، وتدخل في دوامة من المشكلات لا تعرف الخروج منها.
(إخوان أون لاين) يفتح قضية مشاكل الأسر المغتربة من جديد؛ للبحث عن آليات لعلاجها بعد ثورات التغيير والأمل في العالم العربي:
بدايةً تحدثنا عن تجربتها في الغربة فريدة أحمد (طبيبة) عاشت مغتربة في قطر لمدة 15 عامًا، تقول: أهم المشكلات التي كانت تواجهنا في الغربة هي العزلة التي كنت فيها، وندرة العلاقات الاجتماعية، وانحصارها ما بين البيت والعمل لا غير، فضلاً عن إنعزال أولادها عن المجتمع؛ حيث يندر أصحابهم، فضلاً عن خوفها عليهم من الخروج لمجتمع مجهول وغريب عنهم، به مختلف الجنسيات والديانات.
وتضيف: أن الغربة أثرت عليها نفسيًّا بشكل كبير، فأصبحت تذهب من البيت للعمل ومن العمل للبيت، وكان أولادها يتمنون الخروج والانطلاق، إلا إنها كانت تخشى عليهم فلا تسمح لهم؛ مشيرة إلى أن ذلك كان يجعلها في حزن وضيق؛ ولكنها حاولت التغلب على هذه المشكلة من خلال التعرف على مصريين حولها.
وتضيف: أنها حاولت الاتفاق معهم على نزهات مختلفة وعزومات كل فترة، وأحيانًا أخرى تلجأ إلى دعوة أحد الأقارب للإقامة معهم عدة أسابيع، وأحيان أخرى حاولت أن توفر ألعاب مختلفة، لتُشغل وقت أولادها بها في المنزل؛ وتؤكد أنها لم تتغلب على الصعوبات كلها بل ظلت هناك مشاكل عالقة، وانحدرت الحالة النفسية لها ولزوجها ولأطفالها بشكل كبير؛ حتى إنها قررت الآن بعد عودتها عدم الاغتراب أو السماح لأحد أبنائها بالسفر؛ لأنها ترى بعد الثورات، أصبح البناء في البلد أولى من السفر.
وحدة قاتلة
وتروي إيمان عبد الشافي (25 سنةً، ومغتربة منذ عام تقريبًا في السعودية) أكبر مشكلاتها التي واجهتها وما زلت تواجهها في غربتها؛ والتي أوجزتها في افتقادها لأهلها ووالديها، بالإضافة إلى أنها كانت تحتاج شخص "تفضفض" له، ولم تكن تجد ملجأ لذلك إلا الله عزَّ وجلَّ، وكذلك كانت تشعر أنها في بلد غريب عنها، لا تعرف فيه أحد حتى جيرانها في العمارة؛ لأنهم من جنسيات مختلفة، ومن الصعب جدًّا التواصل معهم إما لاختلاف اللغة أو الديانة أو غيرها من المعوقات، مضيفة أنها حتى عند الخروج من المنزل، كان لا بد أن يكون معها زوجها وهو غالبًا مشغول في عمله ليل نهار، وهو ما زاد الأمر سوءًا عليها.
وتقول: إنها تحاول التغلب على هذه المشاكل من خلال الاستعانة بالله، والتفرغ للدعاء، وأن يرزقها الله الصبر، ويقصر غربتها، كما أنها بدأت في النزول إلى المسجد، فضلاً عن أنها حاولت التعرف على الأخوات السعوديات، وتجاهد لتحفظ القرآن، وتثقيف نفسها بالقراءة وهكذا.
وتبين أن نظرة المجتمع السعودي للمصريين تغيرت كثيرًا بعد الثورة، وأصبح الناس يحترمونهم أكثر؛ لقناعتهم أن المصريين لا يصمتون عن حقوقهم ولو بعد حين.
بلدك سيئة.. والغربة أسوء!
ويقول صبري أحمد (مدرس رياضيات مغترب في السعودية منذ 20 سنة): إن أكبر مشكلة واجهته هي أن أولاده بعد عودته من سنوات الغربة الطويلة أصبحوا غير مندمجين مع الناس أو حتى أهلهم، فلا يعرفون أقاربهم، ولا يتبادلون سويًّا أي علاقات ود أو تواصل فيما بينهم.
ويزيد قائلاً في أسى: إن أبناءه أصبحوا يتعاملون مع أفراد عائلتهم كأغراب، وهو ما زاد من حزنه؛ لانقطاع صلة الرحم بين أولاده وأهلهم، بالإضافة إلى أن أولاده تعودوا على كلمات ولهجه مختلفة عن المصريين، وهو ما ترتب عليه سخرية الناس منهم، وهو ما جعلهم انطوائيين وخجولين بدرجة كبيرة.
ويضيف صبري إذا عادت السنين للوراء أنه لن يكرر تجربة السفر مرة أخرى؛ لأنه مهما كانت البلد سيئة فالغربة أسوأ بكثير، وتقطع أوصال التراحم بين العائلة الواحدة.
وداعًا دفء العائلة
وتقول ولاء محمد (30 عامًا) تزوجت وسافرت إلى إحدى بلدان الخليج، أنها عانت كثيرًا في الغربة؛ لأنها كانت تشعر بعدم الأمان مطلقًا، وكانت تصاب بنوبات انهيار نفسي كثيرًا لافتقادها دفء أهلها وأسرتها، وفي نفس الوقت لا تريد أن تترك زوجها، وبعد فترة من الصراع عادوا إلى القاهرة بعد سفر وغربة دامت ثلاث سنوات.
ويضيف محمد عبد المعطي علي (35 سنة)، مغترب في الكويت منذ 5 سنوات (أن ازدواجية الانتماء في نفوس أولاده تعتبر من أهم مشكلات الأبناء في وطن الغربة، ففي البيت يحاول الآباء تذكير الأبناء الدائم بالوطن الأم، ومعالمه، وعاداته وتقاليده؛ لزرع حب الوطن في قلوبهم، وبناء جسور من الارتباط القلبي بالموطن الأم؛ خاصةً عندما يكون الأبناء لم يولدوا في هذا الموطن، ولم يعيشوا فيه إلا أيامًا قلائل في الإجازات مثلاً، وليس لهم ذكريات فيه ولا أصحاب.
ويقول: إنه فوق ذلك لا يجد بموطنه الأصلي ما يجده في موطن المهجر من رفاهية العيش، وتميز في الخدمات التي تقدم لمن يعيش في هذا البلد، فينشأ لديه نوع من كره المكان والرغبة الشديدة في الرحيل عنه، وبالمقابل ينشأ لدى الأبناء حب للمكان الذي يعيش فيه في بلد المهجر، ومدرسته وذكرياته في بلد المهجر، وما يدرسه من تاريخ يتحدث عن بلد المهجر، وما يشهده من احتفالات متعلقة ببلد المهجر، وهو ما جعل الازدواجية تنشأ من هنا.
ويستطرد قائلاً: إن معها تنشأ محاولات الأسر الحثيثة لعلاج هذا الأمر، وهذه المشكلة كانت موجودة قبل الثورة وما زالت؛ ولكن خفت حدتها كثيرًا من وجهة نظره، فمع اندلاع الثورات المباركة وتعلق كل المغتربين ومتابعتهم لما حدث، والحديث المتواصل عنها خلق نوعًا من الارتباط العاطفي بالموطن الأصلي وحبًّا له، ورغبة شديدة في التعرف عليه وسماع أخباره.
علم في بيتنا
ويشير إلى أن الحلول التي حاول تنفيذها على المستوى الشخصي لحلِّ هذه المشكلة هي ربطهم الدائم بالموطن الأصلي، وذلك من خلال الحديث معهم عن الوطن وأجمل ما فيه، وذكرياته معه وهم صغار، وأن فيه أهلهم وأحبابهم الذين لا يستطيعون البعد عنهم أو نسيانهم، بالإضافة إلى اصطحاب قصص وكتب بسيطة تحكي عن الموطن الأم، وحكايتها وقراءتها للأبناء، بالإضافة إلى عدم ذكر بلدنا الأم بأي سوء- رغم ما كان به من فساد في العهد السابق- وذكر كل طيب وجميل في هذا البلد، مع الاحتفاظ بعَلَم بلدنا في بيتنا في الغربة، وعند أي حدث أو إنجاز مفرح يخص بلدنا- فوز الفريق الوطني ببطولة- كنا نخرج مع الأولاد ونقيم احتفالات بمشاركة أسر أخرى ونهتف باسم بلدنا، وذلك فضلاً عن التواصل الأسبوعي مع أفراد العائلة، والحافظ على الحديث في البيت باللهجة المصرية.
الوطن الكبير
من جانبه، يشير الدكتور علي ليلة أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب جامعة عين شمس أن مشكلة الأسرة المغتربة تتمثل في الإطار الاجتماعي الذي تعيش فيه الأسرة، سواء في بلد الغربة أو البلد الأم، موضحًا أنه في أغلب الأحوال يحدث حالة من التشتت والحيرة بين تقاليد وعرف كل بلد ولهجتها.
ويضيف: أن بعض الأسر يحدث لها إرباك لأبنائها وآثار اجتماعية ونفسية سيئة، إلا أنه يبين أن من ضمن الأشياء الجيدة في الغربة أنها تكون سببًا في تماسك الزوج والزوجة وتكاتفهم.
وينصح الآباء والأمهات المغتربين في مختلف البلاد وبالأخص البلاد العربية بعدم الخوف الزائد، وإحكام الخناق على أولادهم مع أخذ الاحتياطات الواجبة والحرص المعقول، ومساعدة أبنائهم على الاندماج في المجتمع الذي يعيشون فيه، وخاصة إذا كان مجتمعًا مسلمًا، وترسيخ مفهوم الوطن الكبير لدى أبنائنا في الخارج، وأننا لا بد أن نخدم الإسلام في كل مكان، ونساعد في تنمية المكان الذي نعيش فيه.
ويوضح أن الاندماج لا بد أن يحدث مع التأكيد على الانتماء والحب للوطن الأم من خلال القصص والتوعية الدائمة بقيم وعرف وطنهم الأم وإبراز مميزاته، وإذا حدث من الأبناء ما يخالف هذه القيم والعادات فلا سبيل غير التفاهم والإقناع والحب؛ لأنهم لم يعيشوا ما عاشه الوالدان من أعراف وتقاليد وذكريات جميلة في موطنهم الأصلي.
الانتماء
ويقول الدكتور رشاد علي أستاذ علم نفس بكلية التربية جامعة حلوان: إن بعض الأسر قد تضطر للسفر أو العمل أو الدراسة للخارج والمكوث لفترات طويلة، وهو ما ينتج عنه آثار سلبية كثيرة تنعكس على الأسرة والأولاد من السفر للخارج، ومن أهم هذه الآثار السلبية هو التباعد بين الأبناء والوطن الأم، وعدم إحساس الأسرة بالانتماء لوطنهم الأم، وعدم وجود جذور الحب لهذا الوطن، حتى عند العودة لموطنهم غالبًا ما يكون هناك غربة حتى وهم في أوطانهم؛ لأنهم لم يعيشوا فيه ولا يستطيع الكثير من الأسر المغتربة التكيف مع أوطانهم بعد العودة إليها.
ويضيف الدكتور رشاد أن الأولاد قد يحدث لهم تصادم مجتمعي في موطنهم، بحيث لا يستطيعون العيش في بلدهم الأم، وكذلك يعيشون عزلة مجتمعية في بلد الغربة التي عاشوا فيها.
ويرى أن هناك بعض الحلول التي قد تساعد في علاج هذه المشاكل، مبينًا أنه ما من خلاف أن من حقِّ كل إنسان أن يعيش في رغد من العيش، فله أن يسافر 4 أو 5 أعوام؛ ولكن كلما زادت مدة الغربة تعمقت معها المشكلات، ويصعب التعامل معها بعد ذلك؛ ولكن المشكلة هنا أن بعض الآباء يكون كل ما يشغله هو كيف يزيد رصيده وممتلكاته ولا يلقي بالاً بقضية الانتماء أو العودة للوطن؛ لأنه هو أصلاً يفتقد الانتماء.
ويوضح أن الوالدين إذا ما فقدوا الانتماء لأوطانهم، وهذا ما كان غالبًا قبل الثورة، فأين يتعلم الأبناء الانتماء، ففاقد الشيء لا يعطيه، مشددًا أن على الآباء أن يتحدثوا أمام أولادهم عن بلدهم الأم وعن حبهم لها واعتزازهم بها وتاريخها وأخبارها، كذلك التمسك بلغة بلدهم ولبسها إن كانت تتميز بزى معين، بالإضافة إلى الحرص على السفر لموطنهم مرة أو مرتين كل عام؛ حتى لا تنقطع صلتهم ببلدهم، وزيارة الأماكن الجميلة فيها؛ لتوطيد العلاقة بينهم وبين بلدهم.