ما أجمل الكلمات عندما تتحول إلى روح تسري داخل النفوس روح تسمو، وتهذب أخلاق الإنسان روح جديدة تبعث الأمل في قلوب البائسين، روح تقاوم الظلم والاستبداد.

 

تأخرت كثيرًا في كتابة هذه الكلمات، وقد كانت تدور بخاطري منذ شهور حيث كنت قد رتبت لها سلسلة بعنوان خواطر نشيد أتحدث فيها عن هذا الفن الموجود بالفعل رغم التعتيم الإعلامي المقصود أو غير المقصود؛ ولكن قدر الله وما شاء فعل إلى أن سمعت فيديو للمنشد القدير السوري الأصل يحيى حوا، وهو ينشد (ياسمين الشام)، فقلت الآن حان الوقت لكي نبرز ونوضح قيمة هذا الغناء (النشيد الإسلامي كما هو شائع عند معظم القائمين عليه والمستمعين له).

 

عندما منَّ الله علي وعرفت طريق الالتزام كنت في ذلك الوقت مشغوفًا جدًّا بسماع الأغاني حلوها، ومرها جميلها، وقبيحها وكنت أعلم وأسمع، وأردد أن (الفن رسالة)، صحيح لا تجد أحدًا يغني، أو يمثل أو حتى (يعمل في أحد مجالات الرقص) إلا ويقول هذه الكلمة ولكن عند التطبيق نادر جدًّا جدًّا جدًّا من يدرك معنى كلمة (الفن رسالة).

 

أتحدث بالطبع عن الفن العادي، ما كنت أعرف هذا الفن الملتزم، ولكن والله، لقد شعرت بالفارق فأصحاب هذا الفن تراهم إما إمامًا، أو خطيبًا لمسجد، أو حافظًا لكتاب الله، أو أستاذًا جامعيًّا، أو رجل خير يعمل في الجمعيات الخيرية فكانوا يدعون الناس بفنهم، وأول من يطبق هذا الكلام هم، فلا تراهم يتغنون بحب النبي وهم لا يعرفون حتى اسمه أو شيئًا عن سيرته.

 

شعرت أنني كنت مغيبًا لا أعلم شيئًا، لقد كنت أسمع كلامًا فارغًا لا توجد بداخله حروف أو روح أو معنى أو (رسالة) فإذا سألت أي فنان الآن ما هو هدفك في الفن سيقول سريعًا هدفي أن أوصل للناس رسالة وإن كنت لا أعلم هل هي رسالة الحب بين شاب تافه يتفنن بالإيقاع بفتاة أكل الفراغ وقتها أكلاً.

 

والآن وقد شاء الله لي أن أكون من المشاركين في صناعة هذا الفن الملتزم أحببت أن نبدأ معًا، أن نسمع معًا بشكلٍ مختلف... نرجع سويًّا إلى كلمات النشيد الذي حرك بداخلي كتابة هذا المقال وهو نشيد ياسمين الشام للمنشد الرائع يحيى حوا، لا يخفى على أحد الآن تلك الآلام التي يعانيها شعب سوريا الشقيق؛ فما هي إلا حلقة من حلقات ثورات الأمة العربية التي بدأت بتونس مرورًا بمصر وما زالت موجودة بليبيا وسوريا واليمن.

 

وكانت المشكلة الكبيرة جدًّا الواضحة في كل ثورات الشعوب العربية هي تناول هذه الأحداث بشكل فني في وقت هذه الأحداث لا بعد انتهاء الثورة، ونجاحها حيث بدأ الكل يغني للثورة ويقول أنا من الثوار.

 

للأسف الشديد معظم الفنانين الموجودين في البلدان التي كانت لديها ثورة شعبية إما أنهم لم يتحدثوا، أو أنهم كانوا مع النظام، وهنا الفيصل، مما جعل بعض الثوار يضعون قائمة بأسماء الفنانين أصحاب المواقف السلبية ويسمونها قائمة العار، وهذا يدل على تأثير الفن والغناء تحديدًا في توصيل الرسالة بشكل أسرع وأوقع وأقوى من أي شكل آخر.

 

أبدع يحيى حوا كما هو دائمًا في هذا النشيد، وهو ليس الأول في تناول الثورة السورية، مما جعل ثوار سوريا يطلقون عليه لقب فنان الثورة الأول، وقد قام هو ومجموعة من أصحاب هذا الفن أبرزهم الشاعر الكبير الأستاذ سليم
عبد القادر، شاعر النشيد المعروف، بعمل بوابة رسمية على الإنترنت خاصة بالدفاع عن ثورة سوريا وسماها "البوابة السورية الإلكترونية".

 

كلمات الأغنية للشاعرة ميادة الحاج، والألحان والأداء للمبدع يحيى حوا، وإخراج الفيديو للمخرج القدير عمر نبيل
نعيش سويًّا داخل الكلمات، تبدأ الأغنية بحكاية طفل صغير سمع عن الحرية وكرامة الإنسان، وأنها أهم ما يميزه:

 

قالولي إني إنسان... حر جبيني ما بينهان

ما جربت الحرية... بس كتبت على الحيطان

 

وكتب على الحائط كلمة حرية حتى يسمع كل الناس عن قصته، ويكمل حديثه موجهًا الكلام إلى جلاديه وإلى النظام الغاشم المستبد:

 

كسروا قلمي وحبسوا نغمي

بدهم مني أكتم ألمي

رح أحكي وأحكي وأحكي

يا سوريا لا تبكي

 

وما دامت زهور الياسمين تزهر، فالحرية ملك للشعب السوري وسيرحل الظالم قريبًا:

 

ياسمين الشام مزهر

يعني الحرية ملكي

 

ويكشف مدى الجرم الشديد الذي ارتكبه النظام في حق شعبه:

 

بيي (والده) استشهد أمامنا وبعدتوا أمي عنا

تأسر خيي ليش ليش شو اللي صار بموطنا

 

وحتى الأحلام ماتت داخل قلوب الأطفال:

 

خطفوا أمني أخدوا أمي

حتى حلمي مات بقلبي

 

ومهما طال الظلم لا بد للحق أن يعود على أيدي أطفال سوريا:

 

غنينا حقوق الأطفال ضوينا شمعة آمال

بكره هالطفل بيكبر وبيبني مجد الأجيال

جرحك لمه بكره العزة بتمحي الهم

 

ولا يكمل المشهد ولا الصورة إلا برؤية هذا العمل الذي يحكي فصلاً من فصول ثورة شعب أراد أن يغير الظلم والاستبداد.

 

وقبل الختام سنكمل هذه السلسلة بخواطر جديدة نتناول فيها أجمل الكلمات وأرق الألحان وأعذب الأصوات التي قد حان الوقت لتأخذ مكانها في موقع الريادة الفنية (ولمن أراد المشاركة معي في اختيار الأناشيد من الممكن المراسلة على الإيميل الخاص بي).

 

وأخيرًا.. تحية إكبار إلى شعب سوريا الأبي وإلى أصحاب الرسالة أصحاب الفن الأصيل، ومنهم المنشد القدير يحيى حوا.

 

* منشد وباحث فني

Monshed_83@hotmail.com