الكون كتاب الله المنظور، والقرآن كتاب الله المسطور، وكلاهما يتلاقيان ويتلازمان في عقل ووجدان المسلم الصالح، وعلى صفحات القرآن الكريم نشاهد التلاقي والتلازم، ونجد تخليدًا لأدوار إيجابية كانت الكائنات غير البشرية عناصر أدائها، وهي رسائل إلينا- نحن البشر- تهتف بنا لنقتبس منها، أو نستنسخ، فنأخذ عنها لما يجب علينا أن نؤدي أمثاله في حياتنا.

 

نعم والله هكذا أفهم.. أفهم (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)) (محمد)، ماذا عن دروس من الكائنات؟

 

1- النملة (الناصحة):

حين رأت الموكب الحاشد للنبي الملك سليمان- عليه السلام- خافت على قومها- وهم في غاية الضآلة- وأشفقت عليهم من الهلاك تحت أقدام الجيش الزاحف، فهتفت بهم محذرة إياهم (يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) (النمل، من الآية 18) (فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا) (النمل: من الآية 19)! حقًّا إنه حال يدعو للتبسم؛ رضا بقيام ملكة النمل بما تمليه واجبات القيادة في عالم تلك الحشرات الضئيلة.

 

بسم الملك العظيم من حال النملة ومقالها، لم تشغله عظمة ملكه عن الإصغاء لنصح النملة وتحذيرها لقومها؛ حرصًا على سلامتهم وحفظًا لحياتهم.. فما أروع المشهد بين صاحب مملكة لم تتكرر على مدار التاريخ، وكائنات صار سليمان- عليه السلام- مسئولاً عنها في الحياة الدنيا؛ حيث لا محاسب له- وفي الآخرة حيث الحساب أمام الملك العادل!.

 

2- الكلب (الحارس):

بباب الكهف بسط الكلب رجليه بالكيفية المعهودة المعروفة، فنام- بأمر الله- حارسًا للفتية المؤمنين، ومن المعلوم عندنا أن الثعالب والذئاب والضباع وغيرها من السباع البرية تخاف الكلاب!.

 

(وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ) (الكهف: من الآية 18)، قام الكلب بمهمة الحراسة، وفاء للفتية المؤمنين، وهي فطرة في ذلك المخلوق الذي نتقي نجاسته، ولكننا نرغب في حراسته!

 

وفي مهام صعبة ندربه عليها حتى صارت الكلاب فصائل في معسكرات الشرطة والجيوش (سلاح الكلاب المدربة)!!.

 

3- الهدهد (المبلغ عن شريعة فاسدة):

بعد رحلة طويلة شاقة عاد "الهدهد" المرصود من الملك النبي سليمان- عليه السلام- رحلة بحث عن غذاء- ربما...

 

أو بإلهام إلهي- درس لنا...

والإلهام هو الأصل في حركة الكائنات...

أطل "الهدهد" على مملكة سبأ، فرأى القوم يعبدون الشمس من دون الله!، فعاد إلى ملكه النبي يبلغه خبر المملكة الوثنية، فكان ما كان مما سجلته سورة النمل في الآيات (من 20 إلى 44)؛ فتحولت مملكة سبأ من الوثنية إلى الإسلام؛ بسبب بلاغٍ من ذلك الطائر الجميل فآمنت الملكة "بلقيس"، وأسلمت المملكة.

 

لقد خلَّد القرآن "الهدهد" المبلّغ عن الفساد، فما رأي "جماعة التبليغ والدعوة"- مثلاً- في هذا الدور الدعوي العظيم؟!

 

هل يمكن للجماعة وغيرها اقتباس أدوار قوية حاسمة في مجال العقيدة وتوحيد الله ابتداء، وفي مجالات إصلاح جميع المفاسد مسارًا؟ اقتباسًا من دور الهدهد، الدور الدعوي التاريخي.

 

4- النحل (المنتج):


بنوعٍ وحي يعلمه الله، بالإلهام الإلهي: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69) (النحل)، ولا يزال النحل يعمل بالوحي الإلهي، ولا نزال نستمتع بعسل النحل غذاء ودواء، من أنواع شتى، وسيبقى النحل على هذه الحال...

 

ذلك حال النحل مع الوحي الموجَّه إليه، فما بالنا مع وحينا الخالد في السطور، بل الباقي في الصدور؟ أنبقى مع الوحي؟ أم ستفارقه فصائل تقول: لا لشرع الله؟!.

 

5- الفيل (الوفي لله)!

استعصى على "السايس" مدربه وقائده، بل استعصى على قائد الحملة الصليبية الأولى "أبرهة الأشرم"!

 

إنه الفيل المسبح لله: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) (سورتا الجمعة والتغابن: من الآية الأولى). (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) (الإسراء: من الآية 44).

 

لم يتحقق لجيش أبرهة، وللقائد الحاقد ما زحفوا من أجله من اليمن لهدم البيت الحرام!

 

* ولكن المعلم "يعقوب"- المنتسب زورًا إلى سيدنا عيسى عليه السلام- أعدّ ألفين من نصارى مصر ليكونوا أدلة وعملاء لجيش نابليون الغازي لمصر!!.

 

* والنصارى "الأرمن" رضوا بأن يكونوا عملاء للتتار الزاحفين من الشرق؛ ففعلوا بالعالم الإسلامي ما فعلوا... وكذلك فعل الأرمن بتركيا- الخلافة الإسلامية- على طول الخط ولم يراعوا حق الجوار، فكانوا عونًا للإنجليز، وخناجر مسمومة في قلب الخلافة الإسلامية الأخيرة!.

 

* أما النصارى الصرب "الأرثوذكس" فقد فعلوا بمسلمي البوسنة والهرسك وكوسوفا ما انتهى بقائدهم "ميلادتش" إلى محكمة الجنايات الدولية الآن!.

 

*  ورضي العلمانيون، والليبراليون أن يمهدوا الطريق للإنجليز لغزو مصر منذ استدعاهم الخديوي توفيق وحتى ما بعد الملك فاروق... ولا يزال هؤلاء بمسمياتهم يشكلون طلائع، بل تروسًا بشرية آثمة للاستخراب الفكري لمصر ولبلدان العرب والمسلمين، حتى في بلد الحرمين الشريفين!.

 

فما أبعد المسافة بين فيل أبرهة- الوفي المسبح لله- وهؤلاء الذين يجوز وصفهم بجميع صفات الذم والقدح...

 

لقد خلّد القرآن الكريم "الفيل" الذي عصى الأوامر الحاقدة، واستعصى على الدفع لهدم الكعبة... تألق الفيل بسبب دوره المشرّف في غزوة الحقد والكراهية حيث لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فنزلت السورة باسمه: (أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) (الفيل).

 

أما العملاء وأدلة الشر فتعسًا لهم وأضل أعمالهم..

***

أإله مع الله؟!

أبدأ بتسطير هذه الآيات من سورة النمل:

(قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى أَاللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (61) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (62) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63) أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (64) قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (65)) (الآيات من 59 إلى 65).

 

لماذا تنأى فصائل من البشر عن الوحي الإلهي؟

السؤال موجه إلى: الماركسيين، والعلمانيين، والليبراليين، والفوضويين بمسمياتهم السابقة أو اللاحقة...

 

وسؤال آخر:

لماذا يتبجح هؤلاء ويتشنجون، ويتعسفون ويزعقون لصد المؤمنين عن إيمانهم، أو فصلهم حياتيًّا عن دينهم؟!

 

إن الأوْلى بتلك الفصائل الشاردة أن تعيش ضمن المنظومات الكونية الطائعة للخالق الرازق، المنظومات السائرة والمتناغمة والمستجيبة لمنهج الله وشرعه...

 

ليفهموا: ليس كلامي وعظًا- رغم عظمة الوعظ المؤثر.. لكن كلامي تفهيم لمن يفهمون، ولفت نظر، لِمَن عندهم نظر وبصر، وإيقاظ للنائمين، وتنبيه للغافلين، وتعليم للجاهلين.

 

إن ثورة 25 يناير 2011م بمشتملاتها، وحسن نوايا القائمين بها والمشاركين فيها، ومن حموها ورعوها، وإن الشعب المصري المسلم، بالنصارى الوطنيين الطيبين... هؤلاء أعطوا صورةً إيجابيةً ضمن منظومة بشرية كونية للإصلاح، وما دام الشباب هم مشعلو "الثقاب" فقد صاروا تلقائيًّا في موكب من وصفهم القرآن (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى). (لكهف: من الآية 13).

 

فليحافظ هؤلاء الشباب على إيمانهم، وليحفظوا عهدهم مع ربهم أولاً وآخرًا.

 

أما الثورة المضادة بمشتملاتها الفكرية والتشريعية، ومسميات فصائلها الخبيثة... هؤلاء الذين يعملون الآن جهارًا نهارًا لإجهاض الثورة المصرية، هاتفين: "اعلُ هُبل"، فلهم هُبل ولنا الله، ولمصر ربٌّ يحميها.