تنامت الأصوات المنادية برحيل وزير الداخلية اللواء منصور عيسوي، ليس فقط لفشل جهاز الشرطة- حتى الآن- في إعادة الأمن والاستقرار إلى الشارع، ولكن أيضًا لتورط بعض أفراده في التعامل مع أبناء الشعب بذات النهج الغابر، فضلاً عن ضلوع عناصر أمن الدولة في تأجيج الفتنة في البلاد وإثارة التوترات والقلاقل، حتى كدنا نقول كلما وقعت مصيبة "فتش عن أمن الدولة".

 

ويبدو أن وزير الداخلية يعمل بـ"سياسة ليس في الإمكان أبدع مما كان"، والدليل على ذلك استمرار تقاعس قطاع غير قليل من رجال الشرطة عن أداء واجبهم الوطني والتعامل معهم وفق سياسة رخوة، فرغم الشعارات التي أطلقها الوزير منذ توليه المسئولية وتعهداته بمحاسبة المقصرين ومعالجة مكامن الخلل في المنظومة الأمنية، لا نكاد نشهد جديدًا ملموسًا سواء على صعيد هيكلة الوزارة وتطهيرها من الفاسدين والمتورطين في جرائم التعذيب والقتل في مقار أمن الدولة ومراكز الشرطة أو على مستوى الأداء الأمني ومواجهة حالة البلطجة والفلتان.

 

والحقيقة التي لا جدالَ فيها أنه اذا لم يتم إصلاح بنية جهاز الشرطة على أسس ومعايير المهنية والكفاءة والأمانة كأحد المطالب الرئيسة للثورة، فلا أملَ يرجى في تحسن وشيك، وستظل حالة التردي الأمني تصبُّ في خانة الثورة المضادة، إن لم تكن جزءًا منها.

 

من سوءات المشهد الأمني الراهن أنه ما زالت تتسرب إلينا وقائع وأخبار، تعيد إلى الأذهان صفحات سوداء من تاريخ النظام المخلوع، وتفيد بأن فلول جهاز أمن الدولة المنحل المنخرطين في جهاز الأمن الوطني تعاود نشاطها مجددًا، وتطل برأسها القبيح لتمارس هوايتها البغيضة في التجسس على خلق الله والتلصص على أنشطتهم وخصوصياتهم، بل والضغط عليهم للتفريط في دماء أبنائهم الشهداء ملوحين بالجزرة تارةً وبالعصا أخرى.

 

أستاذنا الكبير فهمي هويدي كتب في مقالته بتاريخ 30/6 في صحيفة "الشروق" أنه تلقَّى اتصالاً من بني سويف أجراه أب مكلوم من جرَّاء استشهاد ابنه، يشكو مرَّ الشكوى من تهديدات قاتل فلذة كبده، ضباط أمن دولة؛ لأنه تجرَّأ وقدَّم بلاغًا ضده إلى النيابة العامة، وذات يوم فوجئ والد الشهيد- كما ذكر الكاتب الكبير- بمَن يطرق بابه ويعرض عليه 50 ألف جنيه إن هو تنازل عن بلاغه أو غير في أقواله، وإذا لم يستجب- وفق حامل الرسالة- فباب تلفيق القضايا مفتوح على مصراعيه، بدءًا من الاتهام بالاتجار في المخدرات وانتهاءً بقضايا الدعارة مرورًا بالاعتداء على المال العام وسرقة وتسميم الماشية، وتابعنا لاحقًا وعلى مسئولية الصحيفة نفسها تغيير بعض شهود الإثبات لشهاداتهم في قضايا قتل متظاهرين بعد أن تعرضوا لإغراءات كبيرة.

 

السيد وزير الداخلية منصور عيسوي يعلم جيدًا وكل المصريين أن النظام البائد منح هذا الجهاز صلاحيات مطلقة تجاوزت القانون والدستور، وبمقتضى ذلك اقترفت أيادي أفراده الآثمة حماقات وجرائم خالفت كل الأعراف والقوانين الإنسانية والمواثيق الحقوقية، فكان ضباطه ومخبروه وأفراده السريون ينغصون على المصريين حياتهم في البيت والعمل والشارع صباحًا ومساءً، ويرتعون في طول البلاد وعرضها للتنكيل بالشرفاء ومصادرة أرزاقهم وانتهاك حرمة أعراضهم وملاحقة أصحاب الرأي والفكر وتلفيق القضايا لهم وتهديدهم بالويل والثبور وعظائم الأمور.

 

إن هذا الجهاز المنحل حرم مصر من خير كثير، فطارد أصحاب المبادئ والقيم الإصلاحية من مشارب مختلفة، وغيبهم في السجون، وحال بينهم وبين خدمة بلدهم، ونجح بممارساته الجائرة وتصرفاته الحمقاء وأساليبه الدنيئة في مساعدة النظام المخلوع على البقاء طوال حقبة الـ 30 عامًا، واخترق أجهزة الدولة، وزرع له عيونًا وكتبة تقارير، واستقطب قيادات وطلبة جامعيين، وقضاة وإعلاميين مشاهير وكتاب كبار، ومارس كل أشكال الابتزاز والفساد، والسطو على المال العام، بل كان يقف وراء هندسة ترتيبات سيناريو التوريث اللعين.

 

أفراد الجهاز المنحل عاشوا واعتادوا على هذه الممارسات القميئة حتى أدمنوها وأصبحت فلسفة ممنهجة ذات فنون وأدوات جهنمية؛ لخدمة النظام المخلوع وحماية عرشه، وليذهب الوطن إلى الجحيم، بل إن هؤلاء من شدة تلطخ أيديهم بدماء الأحرار تأصلت في نفوسهم المريضة شهوات التلذذ بتعذيب الأبرياء والتنكيل بهم، والتسلل تحت جنح الظلام كخفافيش الليل لمداهمة البيوت، والعبث بمحتوياته، وترويع الأطفال والنساء، وإثارة الذعر والفزع في نفوسهم.

 

الإنسان الطبيعي إذا سمع إنسانًا يتأوه أو يعبر عن آلامه يتعاطف معه، ويقدم له المساعدة ليخرجه من محنته، أما جزارو أمن الدولة فكانوا يرتكبون هذه المشاهد المؤلمة يوميًّا، وعلى مدار الساعة ويمارسونها بسخرية وازدراء وإهانة وأساليب فجة، وما أكثر الذين توفاهم الله تحت سياط هؤلاء الجلادين أو أصيبوا بعاهات مستديمة.

 

أعرف صديقًا يعمل محاسبًا، وهو شخص محترم وذو سمعة طيبة بشهادة محيطه المجتمعي، والناس اعتادوا اللجوء إليه لحلِّ مشكلاتهم، أوقعه القدر في قبضة هؤلاء السفاحين، وكانت جريمته أن الناس تحبه وتلتف حوله، وإذا به يقضي بضعة أيام في سلخانة "جابر بن حيان" (مع الاعتذار للعالم العربي المسلم الجليل الذي أساءوا إلى اسمه) ليرى هذا الصديق خلال هذه الأيام الأهوال من صعق بالكهرباء، وتعليق على الأعواد، وتجريد من الملابس، وسب بأقذع الألفاظ، وخرج هذا الإنسان النبيل من هذه السلخانة وهو مصاب بعاهة ما زالت تلازمه حتى الآن، ورغم ذلك كان في طليعة المشاركين في الثورة، وعلمت أنه أبلى بلاء حسنًا في ليلة الأربعاء الدامي الشهيرة.

 

هؤلاء يا سيادة اللواء عيسوي وكل من انتمى إلى هذا الجهاز المنحل لا يجب أن يبقوا في جهاز الشرطة؛ لأنهم عار عليه وسبة في جبينه، ومن باب أولى في الجهاز الجديد الذي نأمل أن يكون جهازًا وطنيًّا بحقٍّ، واسمًا على مسمى وليس جهازًا لحماية أفراد وتعكير صفو حياة المصريين في هذا العهد الجديد.

 

وأقول ذلك لأن هؤلاء الذين تلطخت أيديهم بدماء المصريين- بشهادة الأطباء النفسيين- لديهم ذوات سادية متضخمة بل وسيكوباتية تراكمت خصائصها على مدى سنوات طويلة تعاملوا خلالها مع المصريين بفوقية واستعلاء مقيت وخداع للعدالة وتضليل للرأي العام، وأظن أنه بات من الصعب إن لم يكن من المستحيل أن يمارس هؤلاء أي دور وطني وفق قيم الحق والعدالة والإنصاف؛ لأنهم أدمنوا الظلم والتنمر والاستئساد على الآخرين دون رادع من قانون.

 

سيسجل لك التاريخ يا سيادة الوزير أنك من طهرت الداخلية من الأشرار وعصابات حبيب العادلي وجمال مبارك وحفدة دراكولا وأبنائه، وأمامك فرصة تاريخية أن تدخله من أضوأ أبوابه، فلا تنتظر جريمة يرتكبها هؤلاء حتى تتحرك، فيجب أن تكون هناك مبادرة حقيقية لوضع أسس مهنية وفنية لعمل الجهاز الوطني؛ حتى لا نبيت ونصبح ثم نرى صلاحياته قد تغولت، وعادت ريما لعادتها القديمة، ونكون أمام حالة مستنسخة من جهاز سابق، ولا تغيير إلا في المبنى دون المعنى.

 

عقليات كهذه لا أظن أن خيرًا يرجى منها، ويجب إبعادها عن جهاز الشرطة استجابة للمطالب الشعبية، هذا إذا أردنا أن تسترد قوى الأمن هيبتها في الشارع على أساس الحق والعدل واحترام حقوق الإنسان، خاصة أن هناك ثأرًا مبيتا بين هؤلاء وأبناء الشعب، وحينما يلمس أبناء الوطن الحر الأبي أن تغييرًا قد حدث، وإن هؤلاء قد جرى استبعادهم، هم وغيرهم ممن أساءوا إلى سمعة الشرطة، وأن ثقافة الجهاز الأمني قد تغيرت، فلن يترددوا في التعاون والوقوف إلى جانب إخوانهم من أبناء الشرطة الشرفاء، ونأمل أن تأتي الرياح بما تشتهي السفن.