الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فالعمل الصالح قرين الإيمان وملازم له، بل هو جزء منه، ودليل على صدقه، ففي كتاب الله عزَّ وجلَّ غالبًا ما يذكر الإيمان ويتبعه العمل الصالح.

 

والإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، والعمل ركن بايعنا الله- عزَّ وجلَّ- عليه، وهو كما قال الإمام البنا ثمرة الفهم والإخلاص، فالعمل بلا إخلاص (ميت) شبح لا روح فيه، والعمل بلا فهم يضر ولا ينفع.

 

والعمل المطلوب وقوده الإخلاص، وقائده الفهم، وقد كتب الإمام البنا رسالة بعنوان (هل نحن قوم عمليون؟) ليؤكد على أن العمل عنواننا، وفي أكثر من موضع في الرسائل يتكلم الإمام البنا عن العمل، ويصفه دومًا بالمتواصل أو الذي لا يتوقف (أعددنا إيمانًا لا يتزعزع وعملاً لا يتوقف) (الإيمان العميق والتكوين الدقيق والعمل المتواصل).

 

وقد ضيق النظام البائد الظالم ساحات العمل وميادينه أمام الإخوان بقوانينه الجائرة وإجراءاته الظالمة، ولكن الإخوان ما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا، بل جاهدوا وصبروا وصابروا وثبتوا وضحوا حتى كشف الله الغمة، وأزاح الظلمة، وفك الله قيد مصر، وأطلق الحرية لشعبها، واتسعت ميادين العمل أمام الجميع.

 

- العمل هو شكرنا لله:

وشكر نعمة الحرية بعد الحمد باللسان لا يكون إلا بالعمل، بل بإحسان العمل ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (الملك: من الآية 2)، ﴿قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129)﴾ (الأعراف)، ﴿وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة: من الآية 105) والواجب هنا هو إحسان العمل وإتقانه وأداؤه على الكيفية المطلوبة، وإحسان العمل يعني بذل ما في الوسع في واجب الوقت، والاستمرار على ذلك حتى يحقق الله ما يرضيه عنا ويرضينا، أما أن نكون كمن فرح بفكِّ قيده، فظل يجري يمينًا مرةً ويسارًا أخرى، وللأمام مرةً وللخلف أخرى؛ ليثبت لنفسه أنه صار حرًّا بلا قيد، وأنه يستطيع أن يعمل، فهذا تشتيت وتضييع للوقت والجهد، ونحن في أمس الحاجة إليهما.

 

لنعلم أن الله- عزَّ وجلَّ- ينظر إلينا (كيف نعمل؟) والناس ينتظرون منا الكثير، وهم محقون فهم يرون في دعوتنا الأمل، ويرون فينا القدرة على العمل ولا عذر لنا، فلا وقت للكسل أو القعود، ولا وقت لتشتيت الجهود شعارنا: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ (الحج: من الآية 77).

 

فقد أخرج ابن أبي الدنيا عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، قوله: "إن لله عبادًا اختصهم بقضاء حوائج الناس، حببهم إلى الخير وحبب الخير إليهم، أولئك هم الآمنون من عذاب الله يوم القيامة" (فلنرِ اللهَ منا خيرًا، ولنرِ أهلنا منا جهدًا متواصلاً وعملاً لا يتوقف، ولنطبق وصايا مرشدنا (أنكروا ذواتكم وأعلنوا أعمالكم) (واجعلوا من أعمالكم أبلغ رد وأقطع جواب)، ويكون ذلك بالحرص على تنفيذ الواجبات التي تُلزِمنا بها بيعتنا ومنها:

• أن تكون عظيم النشاط مدربًا على الخدمات العامة، تشعر بالسعادة والسرور إذا استطعت أن تقدم خدمةً لغيرك من الناس، فتعود المريض، وتساعد المحتاج، وتحمل الضعيف، وتواسي المنكوب ولو بالكلمة الطيبة، وتبادر دائمًا إلى الخيرات.

 

• أن تكون رحيم القلب كريمًا سمحًا تعفو وتصفح وتلين وتحلم وترفق بالإنسان والحيوان، جميل المعاملة حسن السلوك مع الناس جميعًا، محافظًا على الآداب الإسلامية والاجتماعية، فترحم الصغير، وتوقر الكبير، وتفسح في المجلس، ولا تتجسس ولا تغتاب ولا تصخب، وتستأذن في الدخول والانصراف... إلخ.

 

• أن تكون حسن التقاضي لحقّك، وأن تؤدي حقوق الناس كاملةً غير منقوصة بدون طلب، ولا تماطل أبدًا.

 

لنجعل هذه الكلمات واقعًا وسلوكًا يراه الناس ويحسونه وينعمون به ويتحدثون عنه، ولنكن مهمومين منشغلين بالمصلحة العامة، ولنحمل همومها، ونسعى بجد ساقينا لحلِّ مشاكلها، ولا نهدأ إلا حين تتيسر سبل الحياة للناس، ولنكن كالغيث أينما حل نفع.

 

ليكن هذا دأبنا رجالاً ونساءً شبابًا وفتيات، حتى الأطفال نربيهم على ذلك، ولندع غيرنا من أهل الصلاح والخير ليشاركونا ذلك.

 

- النقابات أبواب للخير مفتوحة:

والنقابات المهنية قد شاء الله- عزَّ وجلَّ- أن تكون أبوابَ نفعٍ وخيرٍ للناس على أيدينا، فقد تعدى خيرها أصحاب المهنة إلى شعب مصر، بل تعدى ذلك إلى الأمة كلها، والأيام والأحداث والناس تذكر ذلك، وقد سدَّ النظام البائد أبواب الخير هذه حينًا حتى أزاحه الله، وفتح أمامنا وأمام الناس أبواب الخير من جديد.

 

نحن لا ننظر للنقابات على أنها مقاعد نتبارى نحن وغيرنا للفوز بها، بل ننظر إليها على أنها أبواب خير مفتوحة، والناس في حاجة إلى ذلك الخير، ونحن بفضل الله لدينا القدرة على تقديمه لهم، وإذا كان الناس يسعدون بما يصلهم من خير، فنحن نكون أسعد بما نقدمه إليهم من خير، فحين نتنافس في الخدمة فيها سيكون ذلك من باب ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ (26)﴾ (المطففين).

 

فهل يجوز لنا التكاسل والقعود؟ وهل يقبل منا ألا نركز الجهود؟ فلنكن خلية نحل لا نهدأ حتى تتفجر ينابيع الخير في النقابات؛ لينعم الناس- كل الناس- بخيرها، وننعم برضا ربنا، ثم بإسعاد أهلنا، فلنحشد الجهود وننظمها، ونبذل ما في وسعنا رجالاً ونساءً شبابًا وفتيات لا ندخر جهدًا حتى يعم الخير نقابات مصر كلها.

 

وليسأل كل منا نفسه أيًّا كانت مهنته: ماذا قدم لمشروعنا الإصلاحي في النقابات هو وزوجه وأولاده في دوائر معارفهم وجيرانهم وزملائهم وأصدقائهم؟ ومهما كانت الإجابة إن كانت خيرًا فالزيادة فيه مطلوبة، وإن كانت غير ذلك فليستيقظ، وليسرع قبل فوات الأوان.

 

ساحة العمل والعطاء مفتوحة في نقابة المعلمين ونقابة الصيادلة، والبقية آتية، فلنسارع إلى المزيد من العمل، ولنركز في واجب الوقت؛ خدمة الناس والسعي الجاد المتواصل لإصلاح النقابات والمؤسسات والمنافذ الحياتية في المجتمع كافة.