بات واضحًا لكل ذي عينين أن الثورة المصرية المباركة تواجه تحديات داخلية جمة، وأن هذه التحديات ليست نابعة من فكرة التباين السياسي حول ماذا يكون أولاً الدستور أم الانتخابات البرلمانية، بل نابعة من شعور بالظلم والمرارة ومحاولة البعض تضييق الخناق على مَن قدموا دماء ذويهم غالية حتى لا يصلوا إلى غاياتهم المشروعة وتقديم المجرمين إلى العدالة.

 

هناك في السلطة المصرية فريقان يبدو أن الثورة ليست على مزاجهما أو على مقاسهما، الأول تيار سياسي يرى أن الثورة تصب في خانة الإخوان والإسلاميين؛ لذا فهو يعارضها فكرًا وسياسة، ويرى أن ذلك هو عين الصواب؛ لأن وصول الإخوان- الإسلاميين من وجهة نظره لا يجوز "ديمقراطيًّا"، بينما هو "حلال" له ولغيره من التيارات الأخرى.

 

والفريق الثاني هو فريق تنفيذي، وأعني به الشرطة، وكنت قد دافعت عن الشرطة بعد الثورة، وتمنيت منحها فرصة لكي تكون "صديقة للشعب"، ولكن يبدو لي أن تيار التسلط والاستبداد هو التيار السائد، أو الثقافة الفوقية لا تزال تعمل عملها في هذا الجهاز الخطير.

 

لقد كتب الأستاذ فهمي هويدي حول هذه القضية، وذكر أن تسعة وتسعين مركز بوليس تم إحراقها، ولم تعد للعمل منذ ذلك الحين، وتساءل عن السبب في عدم ترميمها وإعادتها للعمل مرة أخرى؟

 

وأضيف أن الجيش المصري الذي قام بإعادة ترميم عدة كنائس في وقت قياسي كان و لا يزال- بمقدوره أن يكرر نفس التجربة، وأن يعيد الشرطة إلى مراكزها معززة مكرمة ولكن السؤال الكبير هو لماذا لم يتم ذلك؟

 

لماذا لم تقم الشرطة بتوفير ميزانية للترميم وإعادة التشغيل؟

 

ولماذا لم تقم القوات المسلحة وجهازها الإنشائي العظيم بعمل ذلك؟

 

في تصوري أن الشرطة كجهاز لا يزال تتحكم فيه عقليات قديمة، وهي مصابة بداء العظمة ويجب عليها أن تفهم أو تجد من يفهمها أن الأوضاع قد تغيرت، وأن الشعب المصري وكما قال البرادعي: لن يضرب على قفاه مرة أخرى.

 

على مدار ثلاثين عامًا نشأ جيل من الضباط لا يقيمون للشعب وزنًا، ويعتقدون أن الثورة التي قامت إنما قامت على كل شيء إلا "الشرطة"، بل يغالي البعض حين يتصور أن الشعب قادر على مواجهة كل القوى "إلا الشرطة" ويزيد المتطرفون في جهاز الشرطة غلوًا حين يتصورون أن غيابهم عن العمل وانتشار الفوضى يعني أن الشعب سيسلمهم "قفاه" مرة أخرى، وهذا وهم كبير، وتطرف فكري لا نظير له.

 

أزعم أن يد السلطة التنفيذية مغلولة في التعامل مع ما أسميه "تمردًا" بعض قيادات الشرطة على السلطة وتطاولها على الشعب، وأشعر أن وزير الداخلية قد فوجئ بحجم التربيطات والتظبيطات، والرغبة في الانتقام من الشعب الذي لم يبادل هؤلاء المتطرفين تطرفًا بتطرف ولا عداوة بعداوة بمودة ومحبة رغبة منهم في طي صفحة الماضي، ولكن يبدو أنهم فهموا الرسالة بطريقة خاطئة.

 

الفريقان المعارضان لسلطة الشعب رغم أنهم في قلب السلطة التنفيذية ينسقان، ويعملان جنبًا إلى جنب، فريق يستخدم مقدرات الدولة لتسيير برامج ومؤتمرات للانقلاب على قرار الشعب، وفريق آخر يستغل حاجة الناس إلى الأمن ليفاوضهم على كرامته.. كلاهما سيمضي غير مأسوف عليه.

 

وأدعو الفريقين- المتحالفين سرًّا- إلى التفكير في العودة إلى صف الشعب، وتشغيل مراكز الشراكة، ونسيان فكرة الاستعلاء والاستكبار سواء فكرًا أو تطبيقًا.. فلا شيء أكبر بعد الله من هذا الشعب، ولقد علمنا التاريخ- قبل شهور- أن هذا الشعب ليس بهزيل ولا عويل، إنما هو شعب عزيز، وكريم وقوي متين.

 

آخر السطر على ما أذكر أن الثورة قامت ضد الاستبداد بكل أنواعه، ولكن هذه الثورة أنجبت لنا "مستبدين جددًا" داخل مقر الحكومة!